Photo: EPD - Sebastian Backhaus
22/10/2019

أيها الكردي والعربي.. لا ناقة لكما ولا جمل!

لا شك أنه مؤلم ما يحدث في الشمال السوري من قصف وموت وتهجير، طفل ينظر لجسده المحروق من رقبته إلى أسفل قدميه، وفي عينيه خوف ودهشة! ينادي: يا أبي أخرجني من هنا، ماذا يحصل لي؟ رجل يحمل في يديه الخبز وفجأة تسقط قذيفة من حيث لا يدري، تسيل منه الدماء وتمتزج بخبزه! رجل آخر يحمل بيد طفله وباليد الأخرى زوجته ويهرب إلى حيث لا يدري.. هذا الأمر بات مشهدا اعتياديا في سوريا ونراه منذ قرابة التسع سنوات.

على الرغم من ذلك وبغض النظر إلى أي طيف أو لون أو عرق تنتمي، كل إنسان سوي وعاقل، من الطبيعي أن يحزن أو يتأثر سلباً لرؤية هذه المعاناة التي عادت للواجهة من جديد مع بدء الهجوم التركي والفصائل السورية المنضوية تحت راية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صاحب المقولة الشهيرة التي لا تفارق شفتيه كلما لاقى تنديدا من الغرب لسياساته بالقول: (إن قمتم بأي إجراء ضدنا، فبقوافل اللاجئين جئتكم)! أي أننا وأهلنا لا نساوي عنده سوى ورقة ضغط لسد فم الغرب.

الفصائل المعارضة السورية وعشرات الآلاف من الجنود الذين لم نراهم يهبون لنجدة أخوانهم في حلب التي أعادها نظام الأسد لحظيرته رغماً عن أنوفهم، الفصائل التي لم نرَ أفرادها يهبون للدفاع عن أخوة الدم والعرض في حمص، التي نُكل بأطفالها وشيوخها! لم نراهم في درعا يهبون لإنقاذ مهد الثورة، لم نراهم يتوجهون بعددهم وعتادهم الى أسوار دمشق لخوض المعارك ضد طاغية الشام! ولكن بعد سنين من المراهنات عليهم وبيعهم من جهة إقليمية لجهة دولية وهكذا، هاهم اليوم نراهم يعتدون على الشمال السوري ونصب أعينهم عدو واحد.. الأكراد ومن لف لفهم! وللمفارقة، في بعض النقاط التي يستولون عليها، جنود الأسد لا يبعدون عنهم سوى مئات الأمتار، في تل أبيض على سبيل المثال! لكن هيهات، من يجرؤ أن يمسهم بسوء، فولي أمرهم وسلطانهم الأكبر أردوغان لا مشكلة له اليوم مع النظام السوري! وقد قالها صراحة. “لا مشكلة لنا مع النظام السوري، أرضه وهي حقه”.

المحصلة، أصبحنا نعيش في عالم صغير وما يحدث في الوطن يطل بظلاله حيث التجأنا، تلك البلدان التي استقبلتنا، صارت ساحات لتعميق الشرخ، وزيادة كرهنا ضد بعضنا البعض، حيث شهدت الأيام الأخيرة حالات عدة من تهجم جماعات على جماعات أخرى، بعض الأكراد يهاجمون أشخاصا أتراك، ويضرون بذلك قضيتهم التي لطالما وقف الغرب (شعوبا) إلى جانبها، وأتراك يهاجمون أكراد ويستفزونهم في مظاهراتهم المرخصة والمشرعة من قبل الحكومات نفسها.. صفحات وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالشتائم، ورائحة الكره والتشفي والحقد تفوح منها.

لأجيال وغسيل الأدمغة منذ الصغر يجري على قدم وساق في بلداننا المرهقة، فكل طائفة أو عرق في الشرق الأوسط تربي أطفالها على أنهم الحق ولا حق سواهم! واليوم وبعد خوض تجارب مريرة للوصول إلى أوروبا ودول أخرى من العالم لا يبنى فيها احترام الإنسان على اساس طائفي أو عرقي أو أيٍ كان، لا تزرعوا الحقد في نفوس أطفالكم في منافيكم الجديدة هذه، لا تورثوهم ما ورثتم من أسلافكم على أمل أن يكبروا بقلوب خالية من الحقد والأحكام المسبقة وتورم الأنا..

في النهاية أنت أيها الكردي السوري، وأنت أيضا أيها العربي السوري لا ناقة لكما ولا جمل في كل ما حصل ويحصل وسيحصل! فمن تخلى عن مدينة حلب نتيجة ضغوط اقتصادية قليلة من بوتين، وفوقها اعتذار بنكهة الذل، لن يتوانى عن بيع كل شبر من أرضكما ووطنكما لما يخدم مصالحه، أو صفقة جديدة تكون في ميزانه أربح وأهم من كل السوريين! لا تستغربوا فقد حول أردوغان اللاجئين لسلعة يبتز بها أوربا، ولا يتفاجئ أولئك الذين يعتقدون بأنه يحميهم عندما يجلس غداً على مأدبة عشاء أو طاولة مفاوضات مع المجرم بشار الأسد، وكأن شيئا لم يكن.. فلا تشمت بغيرك اليوم، حتى لا تنصدم بغدٍ قد يكون أقبح.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عم رأي منصة أمل برلين

– مقال للصحفي محمد عبدي/ دير تاغشبيجل الألمانية.

Photo: EPD – Sebastian Backhaus