أكتوبر 15, 2019

نوبل 2019.. بين الجهل والصوابية السياسية وكيد النسا!

“أهلًا نوبل، هل تعرفون أن هاندكه كان يدعم حصار سراييفو، وشرب خمر الراكيا مع الجنود الذين كانوا يقنصون الأطفال، وقال بأن المسلمون يقتلون أنفسهم؟ إنه لأمر مقرف.. هذا هو أكثر قرار عدائي، ماذا بعد؟ منح نوبل لبشار الأسد!”

هكذا عبر وزير خارجية كوسوفو السابق بيتريت سيلمي عن امتعاضه لمنح جائزة نوبل للأدب للكاتب النمساوي بيتر هاندكه، كما افتتحت الصحفية في مؤسسة CNN الإعلامية رافيا زكريا مقالها قبل أيام بتناقضات نوبل، بالاقتباس التالي من كتاب Voyage by Dugout الذي دافع فيه هاندكه عن جرائم الصرب، يقول أحد أبطال المسرحية المدافعين عن الصرب: “هل تعلمون أننا نحن الذين قمنا بحمايتكم من الجحافل الأسيوية لعدة قرون، وبدوننا لكنتم مازلتم تأكلون بأصابعكم الآن”.

هل جائزة نوبل منزهة عن الانحيازات السياسية؟

لم تكن دوافع جوائز نوبل يومًا ما مفهومة، فبعيدًا عن مهاويس نظرية المؤامرة ومهاويس اتهام الناس بالإيمان بنظرية المؤامرة، لا يمر عام لإعلان جوائز نوبل دون أن تثير الاختيارات جدلًا واسعًا حول البعد الأخلاقي للجائزة فضلًا عن تحيزاتها السياسية، وبرغم أنه يغلب عليها الانحياز للأوروبي، خاصة السويدي، لكن لم يكن هذا السبب مصدر الجدل الوحيد في تاريخ الجائزة، فلم يُفهم أبدًا لما منحت الجائزة لكاتب الأغاني بوب ديلان عام 2016. كما تسبب حصول جون فوربس ناش على الجائزة عام 1994 في إثارة الجدل بسبب اتهامه بمعاداة السامية، وفي عام 1976 أتهمت الأكاديمية السويدية بمصداقيتها لمنحها الجائزة لعالم الاقتصاد ميلتون فريدمان وذلك بسبب علاقته بالديكتاتور التشيلي بينوشيه، بل أخذ على نوبل في الاقتصاد الانحياز لمدرسة شيكاغو. هذا غير الجوائز التي رأى المنتقدون أنها كان يجب أن تذهب لآخرين في نفس المجال ولكنها تجاهلتهم، وإذا ما أضفنا أن الجائزة أخطأت عميد الأدب العربي طه حسين 14 مرة، ومنحت نوبل للسلام هذا العام لرئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد علي الذي قد يتسبب جراء تعنته بالقضاء على حياة العديد من المصريين، لذا لا يمكننا على الأقل التوقف عن طرح التساؤلات.

الجهل بالتاريخ أو الادعاء أيهما أسبق!

بمجرد مطالعتي فوز أحد بجائزتي أوسكار أو نوبل أسارع للتعرف على تاريخ الشخص، قبل مبادرتي بالسعادة أو الانتقاد، وللأمانة لم أقرأ يومًا لهاندكه، وللأمانة أكثر لم أسمع يومًا لا عنه ولا عن إشكاليته، لا أخجل أبدًا من ذلك ولن يؤثر ذلك أبدًا على صورتي كشخص يحاول تطوير نفسه من خلال القراءة.. ما هالني حقًا هو مسارعة العديد ممن يقدمون أنفسهم على أنهم ناشطي حقوق إنسان بالسوشيال ميديا وغيرها، الإعلان عن سعادتهم البالغة لحصول هاندكه على الجائزة، وهو شيء محير الحقيقة، فإما أن هؤلاء الأشخاص يدعون إنسانيتهم ووقوفهم بجانب حقوق الإنسان وهذا سيء، وإما أنهم جهلاء بشخص هاندكه وبأدبه وأرادوا فقط الظهور بمظهر القارئ المثقف وذلك أسوأ! أو ربما هناك تفسير ثالث لا أعلمه أنا، لكن يبقى أنه أمر مؤسف، السعادة لتكريم شخص مزور للتاريخ بدوافع تشوبها الكراهية.

الصوابية السياسية وكيد النسا

“إن منح رئيس الوزراء الإثيوبي جائزة نوبل لهي إشارة لأفريقيا والعالم بأنه يمكن التغلب على الكراهية بين الشعوب”، يقول الصحفي جيرد آبنتسيللر في مقال رأي نشر له مؤخراً في جريدة تاجسشبيجل الألمانية، تحت عنوان “القرار الحكيم”. بالحقيقة تقتضي “الصوابية السياسية” الاحتفاء بمنح أحد أبناء أفريقيا جائزة نوبل، خاصة وأنه يحسب للرجل مساهمته في إنهاء عقود من الصراع بالإضافة للإفراج عن المعتقلين السياسيين، غير دوره في السودان، كما يبدو الأمر كنوع من الأمل في تخفيف الانحياز لكل ما هو أوروبي، وكم هو لطيف من آبنتسيللر الاحتفاء بحصول آبي أحمد على الجائزة، ولكني كإنسانة بالمقام الأول ثم كأفريقية كنت أتمنى أن أسعد بهذه الجائزة، لكن حياة الملايين من المصريين مهددة بسبب تعنت آبي أحمد علي مع مصر بخصوص قضية مياه النيل وسد النهضة، والتأثير على حصة مصر من المياه، هذا في وقت أعلنت فيه السلطات المصرية دخول مصر مرحلة “الفقر المائيط،  ربما لا يعلم آبنتسيللر عن هذه المشكلة وهذا أيضًا أمر محرج، وربما يعلم ولا يهتم فالناس تنجذب دائمًا للفائزين، فما بالك إن كان من يحكم مصر هو ديكتاتور أصبح أضحوكة العالم، ولكنني بحسب ما أذكر كانت ألمانيا من أولى الدول التي سارعت لمساعدة هذا الدكتاتور إنطلاقًا من معايير المصلحة القومية الألمانية، ومازال هذا الدعم مستمر.. على الجانب الآخر وفي كوكب مصر الشقيق سارع الكثيرون بالمباركة لآبي أحمد كنوع من النكاية في ديكتاتور ترامب المفضل، متناسين تمامًا ما قد يلحقهم من موت بسبب حصوله على هذه الجائزة أصلًا.

معضلة الفن والأخلاق

لن يحسم الجدل الدائر حول علاقة الفن بالأخلاق، ولكن، جوائز كنوبل والأوسكار وغيرهما هما بمثابة رسالة للعالم كله، فلن يعد هناك شيء للإنسانية لتعتز به إذا ما منحت جائزة سلام لشخص يسعى لحرمان مجموعة من البشر من حقهم في المياه لحساب التنمية لأبناء شعبه، ولن يكون لدينا ما نفخر به إذا منحت نوبل مثلًا لكاتب تركي ينكر جرائم الإبادة المرتكبة بواسطة الأتراك ضد الأرمن، أو لكاتب نمساوي ينكر جرائم الإبادة المرتكبة بواسطة الصرب ضد المسلمين، بل ويلقي كلمة في حفل تأبين مجرم الحرب سلوبودان ميلوسيفيتش عوضًا عن تأييده لما حدث.. لن يبقى لنا ما نحترمه إذا منحت نوبل مثلًا لأحد المتهمين بمعاداة السامية أو المنكرين لجرائم النازية ضد اليهود في أوروبا.

ملحوظة: يقتضي مني ادعائي الدفاع عن حقوق المرأة عدم استخدم كلمة “كيد النسا”.

Photo: pixabay.com