Photo: Amloud Alamir
2019/10/05

أنا كما أنا.. ما الذي نعنيه حين نتحدّث عن أعمال فنية كويريّة؟

بما أنه من الشائع أن يتبنى كل شخص خطاب الضحية متحدثاً عن تاريخه ومروره بحالة الصدمة، تحدث الكاتب راجي بطحيش عن طفولته ولماذا تُعتبر كتابته كويرية. حيث تُقام ندوة بعنوان “أنا كما أنا: ما الذي نعنيه حين نتحدّث عن أعمال فنية كويريّة؟” أدارتها الصحفية رشا الحلوة، وقام بتنظيمها الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، بالتعاون مع بيت ثقافات العالم وذلك ضمن فعاليات المنتدى الذي يحمل عنوان “الأنا، أو السياسة في المرآة” في برلين من 4 الى 6 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

الهوية الكويرية

هل يمكننا أن نعتبر نصاً دون آخر كويرياً؟ كيف يمكن للغة العربية أن تكون مطواعة ليتحرر النص من أشكال الاحتكار المختلفة من قبل أنظمة قمعية استعمارية ومن منظومات قمعية وأبوية وذكورية، وتعني كلمة “كوير” (الغريب أو المختلف) في سياق الميول الجنسية. يقول راجي بطحيش، كاتب فلسطيني، يحاضر في “الأدب والسينما”: “عندما كنت طفلاً صغيراً شعرت بانسلاخي عن النوع الجنسي الذي خلقت عليه، قد يكون خللاً خلقياَ، اعتبروه ما شئتم. لقد كنت منبوذا، تلبستني وصمة العار كوني، مخنثاً وبنوتة.. رفض الجميع التعاطي معي وأنا في سن 12، لأفكر للمرة الأولى بالانتحار، لكننني خفت من الموت.. دخلت لاحقاً عالم الكتب الساحر، صار الفن والأدب ملجأي ولكن لم أستطع الافصاح عن هويتي الكويرية، في اليوم الأخير للمدرسة بصقت على مصنع الرجال هذا ومضيت انتظر حياة أخرى أن تبدأ”.

التعددية الزائفة!

وجد بطحيش الذي ولد في الناصرة 1970 ولم يلتق بأي اسرائيلي حتى سن 18،أن توقعاته ساذجة، فالناصرة هي غيتو عربي كبيير، لاحاجة للخروج منه، وكان يظن أن المجتمع في المدينة الاسرائيلية، مجتمع منفتح وفيه تقبل للتعددية، وبالتالي ستستوعب اختلافه وستحتضنه، لكنه اكتشف أن لا ملاذ في مكان مبني على الظلم.. يقول: “تلاحظ من خلال الحياة هناك وجود ذراعان، ذراع ترتكب الجريمة وتنتهك حقوق الفلسطيني بشكل يومي وذراع تنظف ماتقوم به الذراع الأخرى”. على الرغم من أن اسرائيل ترفع شعار الدفاع عن الكويرين واعطاء مساحة للتعددية في السينما والأدب وتلك المجالات حسب ماالتقطه بطحيش كونه مدرساً في احدى جامعاتها، لكنه في الحقيقة وكشخص كويري، يجد تلك التعددية زائفة، فالمجتمع هناك هو مجتمع عنصري قائم على عقدة اضطهاد اليهود من قبل كل العالم وأن من حقهم أن يحموا أنفسهم من الآخر، تبين للكاتب أن هذه الدولة الكولينيالية تستغله كما كل الكويريين لتبيض صورتها وتعطي مصداقية وشرعنة لها.

انفجار الهويات

يرى الكاتب أن المجتمعات تمارس القسوة على كل ماهو مختلف، ليجد أن وطنه الحقيقي هي كتاباته، يقول: “في مرحلة ما تتنازل عن تقبل الآخر أو المجتمع لك، ويصبح نصك هو المكان الذي تنتمي له، هذا أنا”.. بعد عام 2010، لم يعد الكاتب خجولاً بكتابته الكويرية، فقد كانت سنة مفصلية، لم تنفجر الشوارع فقط في بدايات الربيع العربي بل حدث انفجار أيضاً في الهويات، لم يكن الربيع العربي مجرد ثورات فشلت وانما هي ثورات بالوعي، وأكد بطحيش على ضرورة تجاوز هيمنة الخطاب الجنساني القادم من الغرب وخلق خطاب ملائم للمكان الذي نعيش فيه.

في حين بدأ صهيب أيوب كاتب رواية “رجل من ساتان” اللبناني، حديثه متسائلاً إن كان لدينا حقاً تجارب كويرية في الأدب العربي وما حاجتنا له في خضم ما يعيشه الفرد من القمع والسلطة الذكورية وآليات التوحش، وحسب رأيه فإن “التراث العربي كان غنياً باللغة الكويرية، فهناك الكثير عما يعرف بالغلاميات أو الشعر أو ما يُعرف بنوادر الغلمان، أما اليوم فالكتابة الكويرية، شحيحة حذرة خجولة مواربة وتوصم نفسها بالدونية والخوف”، ولايجد أيوب بالأدب العربي الحديث أدب كويري شخصي، يتحدث عن تجارب شخصية صريحة.

من الانغلاق إلى المنفى!

يتحدث أيوب عن خاصية الشخصية الكويرية وعلاقتها مع الحيز المكاني والنسيج الاجتماعي الذي تعيش فيه وتتعايش معه، هذه الشخصية و فوق تعقيداتها تعاني من النبذ والخوف والاذلال، من هنا فإن نظرتها للمدينة هي نظرة مغايرة للآخرين، فهي شخصية مكبوتة ومضطهدة في العالم العربي، تبحث هذه الشخصية عن أنا أخرى خارج حدود تلك المدن المغلقة، يقول: “أنا أشبه بطل روايتي الذي أعرته بعضاً من مشاعري في هذه الرواية، سأعترف أننا كنا نستعير من بعضنا المرآة ونتبادل انعكساتها، كمشاعر النبذ والخوف والخيبات، حاولت عبره أن أجد الأنا التي خرجت من مدينة مغلقة اسمها طرابلس الى منفى شاسع اسمه فرنسا”.

Photo: Amloud Alamir