Photo:Amloud Alamir
30. يناير 2019

“مكتب الأطفال والشباب” ونزاع الصلاحيات بين الأسرة والحكومة

يبقى الشخص خائفاً مما يجهله، وحين لايمتلك الجرأة للإعتراف بذلك يصبح من السهل جره الى مستنقع الاعتقادات والتصورات التي لا تمت للواقع بصلة، وكثيراً من الأحيان تلعب وسائل الاعلام التي تجتزء الخبر ولا تنقله كاملاً دوراً سلبياً في ذلك. بعض الحوادث جعلت العائلات القادمة من أنحاء مختلفة تتخوف من القوانين الألمانية معتقدين أن الدولة الألمانية ترغب بأخذ الأطفال من أهاليهم، حتى اذا سمع الوالدان كلمة “يوغند آمت” اقشعرت لها الأبدان،  ودون دراية منهم، أنها الجهة التي تقدم المساعدة والتوجيه للحالات الصعبة التي يواجهها الأهل مع أطفالهم ومد يد العون لهم.

هذا ما جعلها مسألة شديدة الأهمية ومادة أساسية ليطرحها المنتدى الثقافي للمناصرة والتغيير في جلسته الحوارية الأولى، متطرقاً الى  الأسرة و التربية و تأثير الهيئات و المؤسسات الحكومية فيهاـ وتدخل يوغند آمت “مكتب رعاية الأطفال والمراهقين”، وأثره على العلاقات داخل الأسرة و خارجها، وذلك في مركز أنشطة سيدة سورياببرلين. يهدف المنتدى إلى  خلق حوار ثقافي حول المواضيع الهامة والحساسة. يقول محمد ملاك مدير المنتدى :” يتناول المنتدى الشأن الثقافي، الاجتماعي، الحقوقي، السياسي والتعليمي. مستهدفاً بيئة واسعة الطيف من المجتمع المضيف في عموم ألمانيا، ومجتمع الوافدين، خاصة البرلينيين الجدد، بهدف خدمة قضايا الاندماج ومد الجسور، التعريف بالآخر، وموضوعات المختلف والمشترك، ويستهدف بشكل أساسي الأسرة خاصة السيدات واليافعات في المجتمعين المحلي المضيف، والوافدين. كذلك  آفاق تنسيق جهد المنظمات والهيئات والأحزاب والأفراد،من خلال الحوار الفعّال فيما يخص موضوع اللاجئينوقضايا الشرق الأوسط ذات الصلة ويضيف، هناك مواضيع اجتماعية في المساحة الحقوقية والثقافية تمثل اختلافاً بين الثقافات،  ونسعى من خلال المنتدى الثقافي للمناصرة والتغيير، إلى تقديم وجهات النظر المختلفة حولها، خاصة في المواضيع الحساسة، كالتعامل مع الأطفال وتربيتهم، علاقتهم مع أسرهم والمحيط، وما لهم من حقوق، وتدخل الدولة بطرق التربية التي ينتهجها الأهل، وهو موضوع الجولة الأولى للمنتدى.

قدمت السيدة جولييت كورية والتي تعمل حالياً كمساعدة اجتماعية مع العائلات المهاجرة إلى برلين، وبشكل خاص في رعاية الأطفال والشباب، لمحة عن طبيعة عملها تقول: ” أقوم أنا وزملائي بدعم العائلات فيما يتعلق بالأسئلة التربوية وبتنفيذ وتقديم المساعدة في الحياة اليومية. كما ندعم العائلة خارج منزلهم ونرافقهم إلى الدوائر الحكومية، الأطباء أو الأنشطة الترفيهية، لكن تركيزنا الأكبر على الأطفال”.

معايير رعاية الأطفال والمراهقين

جولييت كورية *

وللوقوف أكثر على مصطلح “رعاية الأطفال والشباب”  تقول كورية: “إن رفاهية الطفل تعتمد أساسًا على ثلاثة معايير، حيث يضمن الأهل حصول أطفالهم على الحماية التامة من قبلهم ويكونون مسؤولين عن السلامة البدنية والعقلية والروحية للطفل”. وتضيف، عندما يكون الطفل معرضًا للخطر، تتدخل محكمة الاسرة لمنع الخطر عن الطفل في حال أن الوالدين غير قادرين أو غير راغبين في تجنب هذا الخطر. كحالات الاعتداء الجسدي، العقلي والجنسي، بالإضافة الى الخلافات التي تقع بين الوالدين، ورفضهما للعلاج الطبي من الحالات التي تعيق أو تؤثر على تربية الطفل، كالغضب المتكرر وغير المنضبط، بين الوالدين أوضد الطفل، الإدمان على المخدرات والكحول من الوالدين أو أحدهما. أو عدم الإلتزام بإرسال الأطفال الى المدرسة ، حيث ان التعليم إلزامي في ألمانيا، وتقع على عاتق الوالدين أن يحضرا طفلهما إلى المدرسة بانتظام، أوتعريض الطفل لسوء التغذية أو إهمال النظافة.

الإهمال المدرسي والعنف الأسري تدفع لتدخل الدولة

مكتب رعاية الأطفال والشباب ملتزم بالمتابعة والتحقق من كل تقارير حماية الطفل . فإذا كان الطفل أو الشاب يطلب الحماية لنفسه، فإن مكتب رعاية الشباب ملتزم بالامتثال لهذا الطلب وبدء الاحتجاز. يقوم مكتب رعاية الشباب بإبلاغ “الوالدين، وبعد التحقق من الوقائع، يُلزم أولياء الامور بالامتثال لقوانينه والاحتفاظ بالطفل حتى يتم قرار “محكمة الأسرة لاتخاذ مزيد من الإجراءات. في هذه المرحلة يتم رعاية الأطفال والمراهقين، والاحتفاظ بهم من قبل إما عائلات رعاية أومؤسسات الرعاية المنزلية.

جانب من الحضور

ومن المشكلات التي  تتطلب الدعم والتدخل، مشاكل التعليم او الالتزام بمواعيد المدرسة و الروضة، حيث لا يتمكن الوالدين من أخذ الطفل في الوقت المحدد، أو أن الطفل يتخطى قوانين المدرسة، الأداء الضعيف في المدرسة، ويتصرف بعنف تجاه الأطفال الآخرين. في مثل هذه الحالات على الآباء البحث  بأنفسهم عن مكتب الشباب طلبا للمساعدة، وتتوفر لأولياء الأمور في جميع الأوقات امكانية إنهاء المساعدة مرة أخرى عندما يتم حل المشاكل والسيطرة عليها. هناك أيضاً جهات اخرى لها الحق بتقديم شكوى إلى مكتب الشباب في حال كان هناك شك ان الطفل في خطر. مثل المدرسة او الهورت و الروضة او حتى الجيران. هذا النوع من الشكوى قد يستدعي التقصي، أما اذا كان مثبت ان الطفل في حالة خطر، يتوجب على الوالدين في هذه الحالة قبول المساعدة والمشاركة بفعالية عالية.

متى بدأت رعاية الأطفال تأخذ اهتمام الدول والمجتمعات؟

يتم دعم أولياء الأمور بتوضيح الالتزامات المتوجبة عليهم وتقديمها لأطفالهم بالشكل الذي يحسن من أداء الطفل تجاه اجباته المدرسية أو يحسن من أدائه السلوكي. يعتمد انتهاء المساعدة على سرعة الوصول إلى الأهداف في خطة المساعدة المقدمة من قبل مكتب رعاية الشباب، وفي البداية تكون المساعدة مقدمة لمدة نصف عام في حال تمكن أولياء الأمور من الوصول إلى الأهداف وأبدوا تعاونهم ورغبتهم في العمل لأجل تحسين ما قامت عليه المشكلة. ومن المهم هنا التنويه، بأن المساعدة المقدمة من قبل مكتب رعاية الأطفال والشباب هي مساعدة لا يضطر فيها أولياء الأمور إلى الدفع ما يقدم لهم من دعم. لكن الدولة تنتظر منهم أن يبدوا استعدادهم للتعاون والعمل مع المساعدين الاختصاصيين للوصول إلى الأهداف المرجوة.

جانب من الحضور

الجدير بالذكر، أن الإرهاصات الأولى لفكرة حماية الأطفال وتعزيزهم بدأت بالتشكل في أوروبا، من خلال علم التربية الإصلاحي، بداية القرن السادس عشر، وتم التأسيس لها كحقوق مع بداية عصر التنوير حوالي (1720- 1785)، فعبر آلاف السنين، اعتبر الأطفال من بين “الممتلكات الخاصة” للوالدين منذ الولادة. في ألمانيا في عام، 1896 كان “القانون المدني”، يعاقب على سوء المعاملة الجسدية من قبل الوالدين، وأيضاً من قبل المعلمين وغيرهم من مقدمي الرعاية. وقد تم وضع قوانين للأطفال وآبائهم لأول مرة بألمانيا، في مؤتمر الرايخ عام 1920،واعتمد ما بين عامي 1922/1924 باسم “قانون الرايخ لرعاية الشباب”.

 لاحقاً بعد الحرب العالمية الثانية، تأسست منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف).و يضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 حق الأسرة في الدعم وحق الاطفال في التعليم. تعتبر الطفولة اليوم “فترة حياة مستحقة “، في 20 تشرين الثاني / نوفمبر 1989، اعتمدت الأمم المتحدة “الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل”، التي كان لها لأول مرة طابعا ملزماً. وقد سنّ “اليوم العالمي للطفل” للفت الانتباه إلى حقوق الأطفال واحتياجاتهم، وفي ألمانيا، يتم الاحتفال بهذا اليوم في 20 سبتمبر/ أيلول من كل عام.

* – جولييت كورية، باحثة سورية من مدينة القامشلي، حاصلة على شهادة الدبلوم من كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة دمشق، وحاصلة على شهادة الماجستير من جامعة برلين الحرة قسم اللغات السامية والعربية،عملت في مكتبة جامعة برلين الحرة قسم فهرسة وتصنيف المخطوطات العربية، السريانية، العبرية والمندائية. وعلى مشاريع وأبحاث في قسم اللسانيات بما يتعلق بمقارنة الأديان الإسلام/ المسيحية/ اليهودية. وكانت مسؤولة ومدربة في مشروع مقدم من جامعة برلين الحرة يساهم في اندماج اللاجئين الحاملين للشهادات الأكاديمية في العالم العربي. رئيسة منظمة مدى للتنمية الثقافية والفكرية في برلين، تعمل الآن كباحثة اجتماعية.

أمل برلين | إعداد وتقرير: أملود الأمير
Photo: Amloud Alamir