Photo:Amloud Alamir
28. يناير 2019

سوسن فريجة.. تجربة 20 سنة بين الوصول وتحقيق الحلم

تقف العقبات أمام الجميع في مسيرة الحياة، لكن طريقة التعاطي معها يختلف من شخص الى آخر، وتختلف أيضاً قدرة الحفاظ على الخيط الذي يربط أحدنا بأحلامه لمدة طويلة وهوعلى أرض جديدة. تشعر سوسن فريجة بالظلم عندما تقارن ما مرّت به، بما يتم تقديمه حالياً للاجئين السوريين، تقول سوسن: “هذا ليس ذنب اللاجئين، لكن الظلم هو من الحكومة الألمانية، وهو مستمر على النساء اللواتي أتين منذ وقت طويل إلى ألمانيا والآن تتم مطالبتهن بالعمل بما لا يحبونه ولايجدن ذاتهن فيه”.

وتضيف فريجة: “أُدرك أن الصعوبات التي مررت بها ليس بمقدور العديد من النسوة تخطيها، وأعلم أن لكل شخص امكانيات وقدرات، فالكثيرات لم تستطعن الدراسة هنا، ليس لأنهن لا ترغبن، ولكن لم يكن هناك حافز لديهن ولم يتوفر الدعم فاستسلمن لظرفهن ولم يسعوا لتحقيق أحلامهن خارج البيت. الآن يُطلب منهن العمل بـ (اليورو جوب) مثلاً أو بالتنظيف، وهن في سنوات متقدمة من العمر”.

سوسن فريجة الفلسطينية القادمة من بيروت ظلّت 11 سنة على هامش الحياة الى أن تحقق حلمها. هذا الحلم الذي لم تحاول أن تعيشه وحيدة، بل ترغب بأن تتقاسمه مع نساء بقين لفترة طويلة أسيرات لواقع لم يخترنه. جاءت سوسن مع أخوتها الى ألمانيا وهي بعمر 19 عام، لم يُقبل طلب لجوئها عام 1990، وبقيت دون اوراق رسمية “بالأسود” حتى عام 1992، تقول سوسن: ” كانت فترة بائسة، لم أكن استطيع تعلم اللغة، فأنا لست مستقرة بمكان، لم يكن لدي أصدقاء، لم تكن هناك حياة، الكثير من البرد، كانت من أبشع سنوات عمري”.

الطموح ضرورة لاستمرار الحياة

تزوجت سوسن لاحقاً، وفي أبريل 1995 أخذت مايدعى باقامة “دولدونغ” كونها ستلد خلال اسبوعين أو أقل طفلها الثاني. بقيت سوسن كذلك حتى صدر قانون الاقامات عام 2001، وحصلت على الاقامة. يشترط القانون أن لا يأخذ الشخص أي مساعدات من الدولة. تقول سوسن: “اشتغلت حينها بالتنظيف، واشتغلت كمندوبة بيع لشركة تجميل، ومندوبة لشركة أدوات بلاستيكية منزلية، أحياناً كنت أبيع بالبسطات في أسواق الأحد وأسواق المستعمل. وأحياناً عن طريق الانترنيت حتى نستطيع دفع ضرائبنا”. في 2004 حصلت على الاقامة الدائمة، وقررت التفرغ لحلمها بالتعلم لكن بعد 14 سنة، تقول: “لم يكن سهلاً أن أعرف كيف أحقق حلمي ولا حتى التعرف عليه بعد كل تلك السنوات، لكني كنت أعتبر الطموح ضرورة، تماماً كالهواء والأكل، ولأحقق ما أريد كان علي تعلم اللغة”.

الطب البديل كبداية لتحقيق الحلم 

استهوت سوسن دراسة “المعالجة بالطب البديل”، بحثت عن المدارس الطبية عن طريق الانترنيت، وأرعبها جبل المصطلحات الطبية، لكن مدير المدرسة شجعها ولفت نظرها الى أن اللغة الطبية صعبة على الجميع وعليهم تعلمها. ظل موضوع التمويل ودفع 260 يورور شهرياً أمر يحتاج للكثير من العمل لتأمينه، بالإضافة لإطعام أربعة أطفال، تقول سوسن: “لم أكن أعرف ولا مصطلح طبي ، كنت أجلس أربع ساعات فقط لأستخراج المعاني. أحياناً كثيرة كنت أشعر بالاكتئاب، كان لدي مسؤوليات كثيرة، ولم أكن أحصل على الدعم. كنت أجد أن حلمي بعيد المنال، لكنه فرصتي الأخيرة لأحقق شيئاً في هذه الحياة”.

أنهت سوسن دراستها عام 2010، حيث حصلت على شهادة في الطب البديل، الطب الصيني المعتمد على مسارات الطاقة والابر الصينية للأذن والجسم، وتنظيف الجسم من السموم عن طريق الحجامة الصينية، والتغذية والعلاج الانعكاسي عبر القدم، وفي عام 2013 افتتحت عيادتها. وهاهي الآن تتلقى الكثير من الاستفسارات من النساء اللواتي تلتقي بهن بشكل متكرر، حيث تعمل على دعمهن وتحفيزهن لايجاد طُرق جديدة لهن في هذه الحياة، وأن لا يقعوا ضحية للإكتئاب من خلال تمارين تعلمها لهن. أحياناً تكون جلسات دعم وتمكين وأحياناً أخرى جلسات تشرح فيها عن الطب البديل، وأخرى عن تجربتها الدراسية وإن كان مركز العمل من الممكن أن يدفع تكلفة الدراسة.

تحاول سوسن إيجاد وسيلة للمساعدة وتقول: “العديد من النسوة ليس لديهن النقود للتعلم، أحياناً ليس لديهن القدرة على التضحية، في حين أنا ضحيت وتخليت عن الكثير من الأمور مقابل أن أدرس و أدفع تكاليف دراستي، وهناك أيضاً من النساء من ترغب أن تدرس لكن زوجها لا يريد ان يدفع لها، والجوب سنتر لايفعل أيضاً فأين يتجهن .. تتكرر مثل هذه الأسئلة كثيراً”. تتم هذه اللقاءات في صالة تسيلي كلوب براتنور شتراسيه.

الحجاب ليس عقبة

لم تجد سوسن أن حجابها كان عائقاً بالرغم من وجود العديد من المضايقات، تقول: “كان هناك ربط بين الحجاب والغباء، كنت أبذل جهداً اكبر من الآخرين ليتقبلني الوسط الذي أنا به أثناء تعلمي، فالبعض كان يتجاهلني كمحجبة.” وتستحضر ما قالته لإحدى الألمانيات: “إن أخفيت شعري لايعني أنني أحجب عقلي، فلا تنظروا الي هكذا”. لم تثنيها تلك المنغصات التي تعتبرها بسيطة، تقول: “عندما تكوني متعلمة تفرضي نفسك ،بغض النظر عن الحجاب فكفائتك بالعمل هي التي تفرض وجودك، وليس ماترتديه”.

أمل برلين | إعداد وتقرير: أملود الأمير
Photo: Amloud Alamir