©Asmaa Yousuf
3. أكتوبر 2018

هل يدفع القادمون الجدد حالياً ثمن أخطاء التاريخ الألماني؟

بين كتبه ولوحاته الصغيرة التي يقضي معظم يومه يرسمها، جلس هانس هننج كي يحدثني عن فترة هي الأهم من التاريخ الألماني، كونه شاهدًا على فترة ما بعد الحرب، حيث سبق مولده تاريخ تأسيس ألمانيا الشرقية بعام واحد في يوم 7 أكتوبر 1948. نظر إلي وقال: “اليوم أنتِ هنا لأحدثك عن التاريخ وسقوط الجدار، إذن علي أولًا أن أهدم جداري الخاص الذي بنيته في عقلي قبل بناء جدار برلين بعامين، كي أفصل نفسي عن تاريخ مؤلم عشناه جميعًا، ولكنني سأتكبد مجهودًا أكبر لبناءه مرة أخرى بعد ذهابك”. قاطعتنا قطته الصغيرة “شوشو” فراح يلاعبها.

خبرة الألم المشتركة

ذات مرة قالت لي الدكتورة ياسمين المنور كبيرة الخبراء في منظمة برتلسمان: “هناك خبرة مؤلمة يتشاركها كل من الألمان الشرقيين والقادمين الجدد، إنها خبرة اللجوء والشعور بالرفض، فلطالما اشتكى الشرقيون إهمال ورفض الغربيون لهم في مراحل تاريخية مختلفة، والآن يتحدث القادمون الجدد عن رفض الألمان الشرقيون لهم”. قادتني هذه الجملة إلى الذهاب لبعض الأصدقاء الألمان من أعمار مختلفة، علي أجد لديهم إجابات بعيدًا عن الكتب وتقارير الصحف.

الهروب من الشرق

يقول هننج: “كان عمري أربع سنوات، وكنت أعيش مع والدتي وشقيقتي وشقيقي في ساكسونيا أنهالت، في مدينة إيلزنبورج القريبة من الحدود بين ألمانيا الشرقية DDR، والغربية BRD وكان لدى الحكومة خطة لإبعاد من يسكنون قرب الحدود إلى القلب، يأتي البوليس ليلًا يأخذ الناس إلى قلب الشرق، علمت أمي بأنه سيتم نقلنا فخشيت أن ينتزعوننا منها ليضعونا في ملاجئ، فذهبت إلى البوليس وقالت لهم أريد تصريح للذهاب إلى برلين الشرقية لكي أُري أبنائي إنجازات دولتنا -مجموعة كبيرة من المنازل في ستالين آليه، كارل ماركس آليه الآن- حصلت أمي على التصريح وألبستنا ملابس ثقيلة، وفي طريقنا كنا خائفين فقد شاهدنا البوليس يصعد للقطار ويقبض على أولئك الذين يحملون الأمتعة بنية الهروب إلى الغرب”

يتابع هننج: “وصلنا إلى أوست بانهوف والتي كانت المحطة الرئيسية لبرلين الشرقية، ومنها ذهبنا إلى فريدريش شتراسه، ثم ركبنا إسبان إلى يورك شتراسه في كرويتسبيرج حيث يسكن أقرباء لنا”. في برلين كان هناك حرية أكبر للحركة، والقطارات كانت تعمل بين شطري المدينة حيث أن بعض البرلينيون الشرقيون كانوا يعملون في المناطق الخاضعة لكل من فرنسا وأمريكا وبريطانيا ويحصلون على راتبهم بالمارك الألماني الغربي، وهذا كان مهم لألمانيا الشرقية، وبالعكس كان هناك غربيون مازالوا يعملون في شركة قطارات الرايخ التي آلت ملكيتها كاملة لألمانيا الشرقية بعد التقسيم.

الهجرة إلى الجيش الأمريكي

يكمل الرجل الشيوعي الذي اعتاد أن يعمل في مجال الخدمة الاجتماعية ورفض تعريفه بدرجاته العلمية: “كان هناك مخيمات للاجئين تابعة للجيش الأمريكي، يمكث فيها اللاجئون لمدة ثمانية أسابيع، يتم سؤالهم عن معلومات تتعلق بالشرق مثل مراكز الشرطة وكل ما يعد سر مخفي عن أمريكا، وبعد أن يتأكدوا أن الناس لم يعد لديهم ما يضيفوه يعطونهم بطاقة لرحلة بالطائرة إلى جمهورية ألمانيا الغربية”. بعد انتهاء استجواب والدة هننج أرسلوها مع أطفالها إلى مدينة أولدنبورج في هانوفر، حيث يسكن الجد والجدة من جهة الأم. يقول هننج: “لم يكن مرحب بنا على الإطلاق، فلم يكن هناك بيوت نظرًا لما سببته الحرب من خراب، وكانت الدولة ترسل اللاجئين للسكن مع المواطنين مقابل مبالغ مالية صغيرة جدًا، وكان منزل جدي المكون من طابقين مليء باللاجئين فخصصوا لنا مكان في القبو الرطب المظلم كي نقضي فيه النهار، وأعطونا غرفة في العلية حيث لا طاقة ولا تدفئة كي نقضي ليلنا، كانت فترة مؤلمة وعصيبة لطالما أيقظتنا أمي في ليالي الشتاء خوفًا علينا من الرعد الذي كان يضرب الجدران بلا هوادة، كنا ننزل إلى القبو لنحتمي من الشتاء، لم يكن لدينا مكان لقضاء الحاجة، وكان علينا الانتظار لسنوات حتى يترك بعض اللاجئين المنزل لنحصل على غرفتهم”.

بشر من الدرجة الثانية

استمر هننج يقص كيف عانت أسرته شظف العيش بعد الهجرة إلى الغرب حتى قال: “بدأت أكبر وأشعر بأنني وأسرتي لسنا كبقية الناس في المدينة فنحن اللاجئين المنبوذين، سكان المدينة يتجنبون الحديث معنا إلا قلة من الرحماء الذين كانوا يعطوننا ملابسهم القديمة، نحاول أن نتحدث معهم فينظرون إلينا بقرف، فنحن بالنسبة لهم لاجئين من ألمانيا الشرقية جئنا كي نأخذ أموالهم ونفسد حياتهم، كنا بالنسبة لهم بشر من الدرجة الثانية”.

هنا تداخلت عبارات وكلمات هننج مع ما قاله لي الشاب السوري ياسر. ع. اللاجئ في إحدى مدن ولاية ساكسونيا بالقرب من دريسدن: “هناك نتمنى أن يتحدث إلينا الألمان الشرقيون، نريد على الأقل أن نتحدث اللغة التي نتعلمها ولكنهم ينظرون إلينا بقرف، بل وأحيانًا يشتمونا فنحن بالنسبة لهم اللاجئين العرب أو الأفغان الذين جاءوا ليحصلوا على وظائفهم وأموالهم”.

حاولت إيقاف تداخل عبارات هننج وياسر وسألت هننج: كيف كان ذلك، فمن المعروف أن جمهورية ألمانيا عاشت ما عرف بالمعجزة الاقتصادية Wirtschaftswunder في فترة كونراد آدناور وما فعله لودفيج إيرهارت ودور مشروع مارشال وغيره من مشاريع إعادة الإعمار و.. قاطعني هننج قائلًا: “المعجزة كانت لأهل البلد وليست لنا، لا تنسي نحن كنا اللاجئين ولسنا أصحاب البلد، كان علي أن أعمل بعمر الـ 15 عام حتى تركت هانوفر في عمر الـ 22 متجهاً إلى برلين حيث الحرية والمساواة والنضال وفرص التعليم، حيث كان يهرب إليها الشباب كي لا يؤدوا الخدمة العسكرية في الجيش الألماني، فبرلين الغربية كان لها وضع خاص يجعلها مستقلة عن جمهورية ألمانيا”.

تداخل الماضي بالحاضر!

راح هننج يعيد على مسامعي مرة أخرى ما عاناه كألماني شرقي في الغرب منذ حوالي ستين عامًا، وكانت كلماته تتقاطع في مخيلتي مع ما قاله لي ياسر، عن نفس المعاناة في الشرق منذ شهور قليلة وقيام موظفة مكتب الزواج المدني في مدينته بعرقلة زواجه من سيدة ألمانية كان على وشك الارتباط بها، وكيف يجلس بجانبه في المكتبة بعض المواطنين الشرقيين ويقرؤوا الجريدة وينتقدوا سياسات الحكومة الألمانية والانفاق على اللاجئين. هننج: “لم يروا فينا سوى مجموعة من اللاجئين الطامعين في بيوتهم وأموالهم”، ياسر: “عندما اختلفت مع حبيبتي وذهبت لمكتب الزواج لتخبر الموظفة بعدم استكمال الإجراءات احتضتنها الموظفة وهنأتها وقالت لها اللاجئين يريدون الزواج فقط من أجل الإقامة لا تتزوجي عربي، زوجك الألماني ينتظرك في مكان ما ابحثي عنه”. هننج: “اليوم هناك نوعين من الألمان درجة أولى ودرجة ثانية” … اختلط علّي التاريخ، وتداخلت الأحداث، وانكمشت المسافات، واختزلت العنصرية أمامي في صورة كائن هلامي يستطيع التنقل عبر الزمان والمكان.

قبل أن أتوقف، فكرت أنه لابد لكل هذا من أسباب، وإن كانت لا تبرر الفعل العنصري، لكن هناك دائمًا سياقات وأسباب، هذا ما سنحاول التعرف عليه غدًا من تجارب أخرى شاهدة على فترات أحدث من التاريخ الألماني.. (يتبع)

أمل برلين | إعداد وتقرير: أسماء يوسف
Photo: Asmaa Yousuf