Photo: BVG YouTube
23. سبتمبر 2018

شتاء بارد بعد قرار شركة BVG

قبل أيام، صدمني قرار شركة المواصلات المحلية في برلين BVG والذي نشرته إحدى الصحف البرلينية على لسان الشركة، حول إغلاق محطات قطارات الأنفاق في الشتاء، بعد أن كانت تترك لتكون ملاذاً دافئاً نسيباً للمشردين في المدينة.. وما أكثرهم.

اهتزت في عيني صورة الشركة التي تحاول دوماً من خلال إعلاناتها الظهور بمظهر الصديقة والمتفهمة والحريصة على سكان الولاية، إحدى الإعلانات وهو الأحب إلى قلبي يظهر شرائح المجتمع البرليني في قطار الأنفاق “أوبان” وهم يشتكون من زحمة القطار وارتفاع الأسعار والضجيج على السكة، والروائح وغيرها من الأمور.. ضمن هؤلاء في الإعلان، ظهر متشرد لا يمكنه النوم من الضجيج.. ثم يختتم الإعلان بعبارة لاحب دون دراما، والدراما طبعاً مليئة بالمفاجأت.

نعم الحب مليء بالمفاجأت، منها مثلاً قول الشركة أنها ليست “مؤسسة اجتماعية”، يعني بالعربي ليست جمعية خيرية، وأن قرارها كان لحماية هؤلاء المشردين من النوم في المحطة، فأحياناً تنقل معدات ثقيلة على السكك ليلاً، لذلك من الأفضل أن يموتوا خارجاً من البرد، على أن يتعثر أحدهم ويسقط على السكة فتسحقه العجلات.. وكأن هذا السقوط موعده ليلي فقط ولا يمكن أن يحدث خلال النهار!.

لا يبدو أنه قرار جدّي، لا أعتقد أن قلوب مدراء الشركة الرابحة والتي لديها فائض مالي ضخم، ستطاوعهم لترك مشرد واحد يموت من شدة البرد على باب محطاتهم المقفلة، لابد من حل يبقي إنسانية BVG مضرباً للمثل، ويبعد عنها وحشية الشركات الربحية الشرهة، التي لا تأبه بكل القيم الأوروبية النبيلة لصون حياة وكرامة الإنسان.. ربما تكون أسباب هذا القرار مقنعة، وحكاية النقل الليلي وخطره على حياة هؤلاء لا يمكن إنكارها.. لكن هل ستكون كل خطوط الأوبان بمساراته الـ 9 مزدحمة بعد إنتهاء ساعات الدوام!

سيقول أحدهم: يا الله كم أنت حنون! خذهم إلى بيتك عوضاً عن التكارم من “كيس” الشركة؟.. لا بأس إنه قول مشروع، وسأقوم بذلك لو رأيت مشرداً على عتبة بيتي الصغير، يلفظ أنفاسه من شدة البرد، لكن ماذا سأفعل بالمئات وربما الآلاف من الذين يقضون ليلتهم في العراء؟. لا أطلب من الشركة أن تفرش لهم محطاتها، فقط كل ما أرجوه، في ليالي البرد القارص المقبلة، أن تترك BVG بضعة محطات من العشرات المنتشرة في كل أنحاء برلين مفتوحة، فهي وإن كانت باردة، تبقى أفضل من النوم على الرصيف.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين

Photo: BVG YouTube