©Asmaa Yousuf
2. يونيو 2018

قصة إمام اتهم بالتطرف ومساجد برلين رفضته لـ “انفتاحه”!

“في العام 2010 قام وزير داخلية برلين من SPD إيرهارت كورتنج بدعوتي لزيارة مكتبه مع 10 أئمة آخرين، وحدثني بندية واحترام عن مسؤولياته وكيف أن الإسلام السياسي والراديكالية تؤرقهم في برلين، وأنه لابد من إيجاد سبيل للتعاون للحد من هذا المد، كان شجاعًا كفاية للقيام بهذه الخطوة، لقد كان لقاءًا مؤثرًا جعلني ولأول مرة أفكر بأنهم لا يكرهون الإسلام، بدأت أضع نفسي مكانهم وأفكر بطريقتهم”. كانت هذه نقطة التحول الكبرى في حياة الإمام عبد العظيم قاموس، والذي احتفل أمس الجمعة بإنشاء جمعية وقفية إسلامية Stiftung Islam in Deutschland والتي تشتمل على مسجد تحت اسم “الجامع الألماني”.

أمل برلين التقت بـ قاموس وأجرت معه حوار حول المحطات الأساسية في حياته، وكيفية تحوله من إمام يخرج مريديه لساحات “الجهاد”، إلى شخص يحاول التعرف على ذاته من جديد فتلفظه بعض مساجد برلين بسبب انفتاحه، إلى إمام يؤمن بالحريات والتعددية.

البداية مع الجماعة الإسلامية في المغرب

عبد العظيم قاموس، شاب مغربي جاء إلى ألمانيا من أجل الدراسة في عمر 19 عام، ثم انخرط في العمل الدعوي ومارس الخطابة وإمامة المصلين الناطقين باللغة الألمانية لمدة 15 عام، واعتبر أن هذه نقطة تميز بين المساجد الناطقة بالعربية والألبانية والتركية، وكونه شابًا صغيرًا جعله محط أنظار الشباب الألماني المسلم بين 18 إلى 30 سنة. قاموس هو ابن الحركة الإسلامية في المغرب والتي كانت تسمى في الماضي بالجماعة الإسلامية والآن “حركة التوحيد والإصلاح” والتي تهدف لإقامة الدين وإصلاح المجتمع حسب المفهوم الإسلامي الوسطي وكان أحد تلاميذ بن كيران. قبل مجيئه لألمانيا انضم قاموس للمدرسة السلفية التي انبهر بها حيث قال: “أعجبتني كثيرًا وكنت أشرب العلم كالماء فهي أعطتني العلم الشرعي، ومنذ 1996 إلى 2003 ما كنت آخذ إلا من المنهج السلفي”. ويصف قاموس نفسه بالمنفتح على كل علماء الأمة.

خطاب منغلق ورقابة من المخابرات الألمانية

يؤكد قاموس على احترامه للقانون الألماني وأنه لم يحرض أبدًا ضد الأمن العام في ألمانيا، وبأنه هاجم التيارات المتشددة كالقاعدة وداعش.. “خطابي لم يكن متطرف وخالٍ من الحقد والكراهية، ومع ذلك كانت الصحافة والمخابرات الألمانية يعتبرونني أسهل الطريق للتطرف، وظلت الأمور كذلك حتى كان العام 2007 حين فوجئت ببعض طلابي انشقوا عني وراحوا يشتموني قائلين أنني أسوق للإسلام الأوروبي، رحت أفكر لماذا هم يقولون ذلك ولماذا الصحافة والمخابرات ترى أمر آخر، لماذا الكثير من الشباب الذين يسمعوني يخرجون من عندي ليقعوا في فخاخ المتشددين؟ ألم أكن أعطيهم المناعة ضد ذلك؟ لماذا بعد سنوات من تركهم لجلساتي يتنطعون ويذهبون للجهاد في سوريا وغيرها؟ لماذا مجموعتي أنا بالتحديد؟ بدأت أشعر بالمسؤولية”.

وأضاف قاموس: “وجدت أن خطابي كان منغلقاً ليس به سوى الأبيض أو الأسود، خطاب كلاسيكي قائم على الوعظ والإرشاد وتحريك عواطف الناس وصناعة التدين والحديث عن الجنة والنار وأصول الفقه والتفسير وربط الناس بالآخرة فقط، كما يفعل معظم الخطباء، فلم أكن أهتم بمشكلات الناس اليومية ولا قضايا الآخر والعيش معه، ولا التأصيل لرؤية إنسانية للعالم نعامل فيها الناس بمختلف أشكالهم وأنواعهم بالعدل والمساواة، لم أرى نفسي سلفي أبدًا، لكن عندما فكرت وجدتني في منهجي أقرب إلى السلف والإخوان، وهنا بدأت إعادة التفكير بكل شيء”.

مراجعات فكرية واكتشاف عوالم جديدة

بدأ قاموس رحلة مراجعاته، وتزامن ذلك مع تغيرات بحياته الخاصة ما دفعه لولوج دروب الصوفية والتعرف عليها، بعد ذلك قرر تغيير قراءاته والأدب الذي يستقي منه معارفه، فمن الكتب الشرعية للقدامى وأصول الفقه، إلى الإمام زروق والشعراني والجنيد وغيرهم من أئمة التصوف، إلى قراءات عن أسرار النفس البشرية وكيفية تطهيرها من الأدران وتعزيز الحب والخير والرحمة، وظل لمدة عام ونصف لا يلقي دروسًا إلا في التصوف وتذكية النفس، وفي ذلك الوقت دعي للمشاركة في جلسات حول حوار الأديان تضم قادة دينيين من كل الديانات والتي مازالت مستمرة منذ 9 سنوات، ثم وجد ضالته في دراسة الفلسفة وعلم النفس، لتأتي دعوة وزير داخلية برلين له وتشعره بمسؤولية كبيرة، فما يقوله في خطبه قد يؤثر على مصير 85 مليون شخص، فراح يغير منظوره للدنيا وكانت القراءة معينه الأول في هذه العملية.

تنكر المساجد والبحث عن طريق جديد

بحلول عام 2014، خطب قاموس تغيرت واتسمت بالتحررية وأصبح خطابه نقديًا وركز على قضية حرية الإيمان وغيرها، لذا رفضاه مسجدي التوحيد وبلال، فذهب إلى مسجد الإيمان وهناك بدأ يدعو إلى وقف التشاحن الشيعي السني، وعدم استيراد مشاكل الشرق الأوسط لخوضها هنا في برلين منبهًا الناس إلى خطورة المحرضين، فأوقفه المسجد، فقام بتنظيم محاضرات عن الحريات والمثلية والآراء الفقهية حولها وقضية زواج عائشة والموسيقى..

يختم قاموس بالقول: “قمت بمناقشة القضايا بالوسائل الكلاسيكية التي يحرضون بها فشعروا بالخطر ووصفوني بالشيطان الذي يضربهم بسلاحهم، لذا كان علي البحث عن طريق أكون فيه مستقلًا، فتعاونت أنا وزوجتي واللاعب أنيس بن حتيرة لإنشاء جمعية الإسلام في ألمانيا وهي من شقين، الأول مجتمعي يتعلق بمجالات الثقافة والفن والاستشارات العائلية والشباب والأطفال، والثاني ديني وهو -المسجد الألماني- والذي يوجد حاليًا في الطابق الأرضي من الكنيسة المعمدانية التي قامت بتأجير جزء من المبنى للجمعية كمسجد خلال شهر رمضان حتى يستطيع القائمون على الجمعية إيجاد مكان آخر”.

أمل برلين – إعداد وحوار: أسماء يوسف
Photo: Asmaa Yousuf