ثقافة وفن

نهايات سعيدة.. ثورة تنهار وحب متردد

الثلاثاء 17 أبريل 2018

ماذا كان يمكننا أن نفعل لتنجح الثورة؟ ماذا يمكنني أن أفعل لتنجح علاقتي بأيمن؟ تساؤلان رئيسيان يسيطران على عقل ندى طوال فيلم نهايات سعيدة. ففي أجواء مليئة بالأمل ومقاومة الإحباط تبدأ قصة حب ندى وأيمن، ثم يقرر أيمن السفر خارج مصر للدراسة، ويتزامن ذلك مع الأيام الأولى لاندلاع الثورة المصرية. لتبدأ بذلك حالة من التداخل بين علاقة الحبيبين مع الثورة المصرية صعودًا وهبوطًا.

الحب وفقًا لما يريده المجتمع

أيمن شاب سكندري لا يريد الاصطدام مع المجتمع وموروثاته، يتجلى ذلك في تكبدهما عناء الرحلة من الأسكندرية إلى القاهرة ليبقيا في بيت والد أيمن بعيدًا عن أعين المنتقدين، بالإضافة إلى تقييد حريتهما دائمًا عندما يكونان معًا على شاطئ البحر لأنه لا يريد أن يتطفل عليهما أحد أو يؤذيهما حيث تنتشر الشعارات الدينية المكتوبة على أحجار الشاطئ والتي تدعو عدم لمس الرجل لصديقته أو خطيبته قبل الزواج، مثل: “اتق الله” أو “أترضاه لأمك” وهكذا. يعيش أيمن حالة من التردد ما بين السفر والعودة لمصر التي ساءت فيها الأحوال بعد الثورة، فتارة يريد العودة وتارة لا، وبتأثير من ذلك لم يستطع أن يحسم موقفه من علاقته بندى التي تحاول بكل الطرق غير المباشرة حثه على البقاء ليكملا حياتهما سويًا، تتماثل طريقة أيمن في التعامل مع الواقع مع آدائه في علاقته بندى، من حيث التذبذب بين الأمل واليأس، بين القبول والرفض، بين حبها وتركها.

نجاح العلاقة يعطيني أمل في إمكانية تحقيق أحلامنا

أما ندى فهي “تعاني” حالة من وضوح الرؤية في زمان ومكان مليئين بالتخبط وعدم اليقين من أي شيء، تعاني حالة من الأمل في التغيير في وقت انتابت الكثيرين حالة من اليأس، خاصة بعدما تم تبرئة الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين، تعشق الحرية بجنون في وقت يطلب منها بعض الرفاق وضع إيشارب على رأسها لأن معظم الناس المراد مخاطبتهم محافظين، وبأنها بذلك تسحب من رصيد الثورة والثوار لدى عموم الناس. رغم كل ذلك تشكك ندى في كونها حرة بالفعل، لأن والديها الناصريين لا يعلمان شيئًا عن علاقتها بأيمن، ورغبتها المستمرة في إخبارهم لترى هل يؤمنان فعلًا بما ربوها عليه من حب للحرية والاستقلالية. ندى متمسكة بعلاقتهما وتريد إنجاحها بأي ثمن لأن ذلك يعطيها أمل في إمكانية تحقيق الأحلام في هذه الحياة الصعبة.

اختلاط الواقع والخيال والسياسة والحب

تصل أحداث الفيلم إلى ذروتها عندما عاد أيمن في أجازة قصيرة إلى مصر فأصيب بمزيد من خيبة الأمل حيث لم يتغير شيء، ندى تحاول كل جهدها لتقنعه بأن يبقى في مصر ويكملا حياتهما معًا، من خلال قيامها بالتصوير مع والديها وأناس آخرين، ثم قامت بجعله يشاهد هذه اللقاءات ليكشف لها بأن طريقتها مباشرة جدًا.يتداخل السياسي مع العاطفي، ويتداخل واقع علاقة الحبيبين مع أحداث الفيلم الذي يلعبان هما بطولته، لتزداد الأوضاع في مصر سوءًا، وبالتبعية تتعثر علاقة أيمن وندى. مشاهد لبعض الشوارع المليئة بالقمامة مع فقراء يبحثون عن طعام في القمامة، مع مشاهد لندى وأيمن على شاطئ البحر تحاول بشكل مستميت لإنجاح العلاقة. يصاب أيمن بالمزيد من الإحباط وتستمر ندى في أحلامها وآمالها المتجددة رغم الواقع السيء، ثم يقرر أيمن في النهاية الرحيل وتقرر ندى البقاء، مع جملة مفادها بأنها قامت بتصوير الفيلم كي تذكر نفسها لماذا فضلت البقاء في مصر إن ساورها ندم بعد 20 عام.
وكان لأمل برلين لقاء مع بطلي وصانعي الفيلم ندى رياض، وأيمن الأمير.

من فيلم عن العلاقات إلى فيلم عن الثورة

تقول ندى: “في البداية أردت عمل فيلم حول العلاقات عن بعد، لذا أردت التسجيل مع أناس يمرون بنفس التجربة علِي أجد حل لعلاقتي غير الناجحة، وأثناء عمل ذلك اكتشفت أن جزء كبير من ثقل العلاقة هي الظروف المحيطة فكان لكل حدث تأثيره الخاص على علاقتنا، فتأكدت أنه في مثل هذه الحالات تؤثر الأوضاع المحيطة على العلاقات وتنشئ الحواجز بين الشريكين أكثر من بعد المسافة المكانية بينهما، من هنا جاء القرار منا نحن الاثنين إلى تغيير فكرة الفيلم. ما دفعني أيضًا لذلك هو أن الناس كانت تتحدث عن الحراك على أنه أرقام ومعلومات تنقل عن طريق الأخبار متناسين تمامًا أنه هناك علاقات إنسانية تتأثر بشكل كبير وهي الأخرى طالتها الثورة والتغيير، فتم الربط بين العام والخاص في الفيلم وإظهار تداخلهما الحقيقي في الواقع.

أردت للثورة أن تنجح لتتحسن مصر ويعود أيمن

وحول ربطها الخاص بالعام والسياسة بالحب في الفيلم، أوضحت ندى بأنه علينا ألا ننسى بأن الثورة هي بالأساس حدث رومانسي للغاية، فالرغبة في التغيير والحصول على الحريات وإقرار العدالة الاجتماعية أمر رومانسي، فالعلاقات تبدأ دائمًا بشيء رائع ورومانسي وثوري وحالم، لكن الاصطدام بالواقع يعد مسألة أخرى، ولإنجاح علاقة أو إنجاح ثورة يحتاج الأمر إلى الكثير من الجهد والعمل والتفاوض، ولا يحب الناس أن ينظروا إلى العلاقات ولا إلى الثورات والحراكات الاجتماعية بهذه الطريقة. فالبداية دائمًا حالمة وجميلة لكن الرحلة نفسها شاقة وصعبة ومرهقة، وتعتمد على الأمل في وهج البدايات، وهذا هو السحر الذي يجعل العلاقات تستمر ويجعل الحراكات تنجح.

الخسارة قد تحفز الأمل

الفيلسوف Gilles Deleuze له مقولة لم أفهمها سوى مؤخرًا، حيث قال بأن الثورات عندما تفشل وتسوء الأوضاع وتصبح مأساوية لسبب من الأسباب لناس يصبحون ثوريين، فبعد الخسارة تعيش روحك حالة من الثورية، وعلى المدى الطويل يمكن أن يترتب على ذلك تأثير ما، وهذا هو حلمي الذي يعطيني الأمل، وبالتالي فإذا ما تعلمنا من الماضي وأصبحنا كنشطاء وقوى ثورية وفنانين ومجتمع أكثر تسامحًا وأكثر استماعًا لبعضنا البعض عندها يمكن لحلمي أن يتحقق.. هكذا بررت ندى حالة الأمل التي لا تفارقها

هناك أمل علينا فقط أن نحاول ونستفيد

وبسؤال أيمن حول ما جعله يقرر العودة إلى مصر والزواج من ندى، قال: “الفيلم يدور حول سؤال رئيسي هل لدينا أمل في المستقبل وهل سنستطيع أن نكمل معًا؟ ونحن لم يكن لدينا اختيارات أخرى سوى أن نكمل مشروعنا وهو الفيلم، وأن نكمل علاقتنا الشخصية على قدر المستطاع، وأما بصدد العودة لمصر، فأنا صانع أفلام أريد أن أحكي قصص عن مصر والمصريين، لذا كان علي العودة”. كما عبر أيمن عن رأيه بأنه يرى أنه كان هناك فرصة ذهبية للتغيير في مصر، لكن أضاع الفرصة أسباب كثيرة من بينها أن من كانوا في الصفوف الأولى من الثوار أصبحوا ديكتاتوريين مثل النظام الذي ثاروا عليه.

هكذا استطاع أيمن وندى أن يوجدا لأنفسهما نهاية سعيدة رغم الواقع غير السعيد..

أمل برلين | قراءة وإعداد: أسماء يوسف
Photo: Alfilm.de