ثقافة وفن

لم أقل وداعاً.. تدوين التاريخ عبر صور وجوه النساء في المهجر

الإثنين 16 يوليو 2018

“رحت أفكر، لماذا يجب أن يكتب المؤرخون  والسياسيون فقط التاريخ؟ جميعنا يمكننا فعل ذلك وبطرق مختلفة، وأنا كمصورة لدي مدخلي ورؤيتي الخاصة في نقل التاريخ”.. هكذا تحدثت هايكا شتاينفيج حول أسباب مشروعها التصويري “لم أقل وداعًا” عن المرأة في المهجر، وكان لأمل برلين اللقاء التالي معها:

تغيير الصورة النمطية في الصحافة الألمانية

المصورة هايكا شتاينفيج

لاحظت في 2015 ترسخ صورة نمطية واحدة عن القادمين الجدد متمثلة في إظهارهم على أنهم مجموعات أو عائلات من الضحايا يضعن البطانيات على أكتفاهم في الشارع في انتظار المساعدة، في البداية كان هناك كثيرون منفتحون ويساعدون ولكن بعد قليل من الوقت ومع تسرب هذه الصورة إلى اللاوعي الألماني بدأ يتم استغلالها وبدأ الناس يفكرون كيف يمكننا مساعدة هؤلاء الناس الذين بلا مأوى، وكانت دائمًا صور الرجال بهذا الشكل تملأ الجرائد والمتعارف عليه أنه عندما يبدو الرجال كذلك، فهذا يعني أن النساء في وضع أسوأ. وهنا قلت لنفسي أنا مصورة ولدي أدواتي ويمكنني جدًا أن أقدم صورة مغايرة عن القادمين الجدد خاصة السيدات، صورة من الجانب الآخر الذي لم تعتد الصحف على إظهاره. كانت الفكرة آنذاك غير واضحة تمامًا بالنسبة لي، لكنني كنت على يقين بأنني أريد تقديم صورة تظهر الجانب القوي للقادمات الجديدات.

من تجربة فردية إلى وجوه عديدة

أخذ الأمر مني الكثير من الوقت والجهد فلم يكن لدي من البداية هذا المفهوم الصارم، فتحت إلحاح الصورة المنتشرة في الصحافة الألمانية خريف 2015، ذهبت فورًا إلى نزل للقادمين الجدد وهناك قابلت من أصبحت صديقتي المقربة بعد ذلك هند الراوي، كانت أولى السيدات اللائي تعرفت إليهن من القادمات الجديدات، بهرتني بتجربتها وثقافتها وعندها قررت أن يكون المشروع فقط حول الرائعة هند وكيفية تلمسها لطريقها في برلين، ومع الوقت قامت هي بتقديمي إلى صديقات أخريات، من هنا جاءت فكرة التعمق أكثر في عدد أكبر من الخبرات والثقافات بل والأعمال المختلفة.

كلنا نقف متساويات 

هذا المشروع ليس مشروعي وحدي، فأنا قمت بـ 50% من العمل وهو التقاط الصور، بقية العمل يرجع للسيدات المشاركات، فهن من كتبن النصوص الملحقة بالصور. حرصت على مقابلة كل منهن على حدة لتناول القهوة والحديث وأخبرتهن بأنهن لديهن كامل الحرية فيما يردن البوح، فهن قويات وشجاعات ويمتلكن حيواتهن بأيديهن، اخترن الطريق الذي يردن وكن جاهزات للبدء من جديد في بلد لا يعلمن ثقافته ولا لغته، من هنا جاء إصراري على التقاط الصور لكل منهن أمام خلفية زرقاء تميل إلى الأسود، أردت فقط ما تقوله وجوههن، أردت أن أركز فقط على ملامحهن وعيونهن، أن ينظرن إليَ كما أنظر إليهن، أن نتواصل بصريًا على قدم المساواة، أن أُري الآخرين القوة والتحدي فيهن.

إثراء المجتمع الألماني

لم أرد في مشروعي أن أتجاهل آلامهن ولكني أردت أن أنقل خبراتهن، فهن الآن عايشن ثقافتين ونحن عايشنا واحدة. عندما أخبرتني أسكالو من إريتريا أنها في ألمانيا يمكنها أن تعبر عن رأيها دونما الخوف من الذهاب إلى السجن، تساءلت هل يعلم الألمان ما نتمتع به هنا من حريات؟ هنا يمكنني قول ما أريد دونما الخوف من الذهاب إلى السجن، وعندما قصت علي هبة عبيد كيف أنها اعتادت أن تكون لاجئة كفلسطينية ولدت بسوريا، وكيف أن إحدى التظاهرات استغرقت دقيقة، قارنت ذلك بألمانيا حيث نذهب إلى التظاهرة لمدة ثلاث ساعات يغلب عليها المرح. وإنطلاقًا من خبراتهن أردت أن أركز على المستقبل المشترك بيننا هنا في ألمانيا، كما أردت أن أعرض الجانب الذي لا تتناوله الصحف الألمانية وهو دور المجتمع الألماني بمساعدة ومساندة القادمين الجدد، لذا وعلى الرغم من صداقتي الحالية بمعظمهن إلا أنني متشوقة لتكرار نفس التجربة معهن بعد 5 أو 10 سنوات كي نستفيد مرة أخرى من بعضنا البعض، كما أتوق لعمل نفس المشروع في بلدان أخرى خاصة كندا.

الهجرة لن تتوقف والمهجر لن يغلق

غلاف كتاب “لم أقل وداعاً”

لطالما كانت الهجرة بمثابة عملية مستمرة على مدى العصور، ذلك كان وراء اختياري للصورة الرئيسية للمشروع، والتي كانت بمثابة الاستثناء الوحيد لعدم أخذ الصورة للوجه، ولهذا السبب وجهت للفتاة التي صورتها العديد من الأسئلة، فقصة بقائها في ألمانيا مختلفة عن البقية، حيث لم تختر المجيء إلى ألمانيا من أجل الحماية، وإنما جاءت للمشاركة في فعالية وأثناء ذلك تحدثت عن وضع حقوق الإنسان المتردي في بلادها وبعدها علمت بأنه لن يكون بمقدورها العودة، عندما سألتها ماذا تريدين أن تقولي وما إذا كانت تريد ذكر إسمها فوجئت بها ترد علي بدون تفكير: “لا يهم إسمي، فأنا إنسانة وفقط، أنظري وجهي مثل قماشة حيث يمكنك تخيل كل الوجوه التي صنعها الحزن وآلام الانفصال، أما لوني فهو خليط من ألوان كل البشر، لا يوجد أي فارق إن عرف الآخرون إلى أي جنسية أنتمي ولا أية ديانة أعتنق. أريد من الآخرين فقط أن يفهموا عمق حزني: فأنا لا أستطيع أن أعود إلى بلدي، لم أودع أي من أفراد عائلتي فلم يكن أي منا يعلم أنها المرة الأخيرة التي نرى فيها بعضنا بعضًا، لم أقل وداعًا”. وكما ألهمتني بعنوان المشروع، كانت صورتها وكلماتها رمزًا لحالة الهجرة التي طالما وجدت وتوجد وستوجد إلى الأبد.

أمل برلين | إعداد وحوار: أسماء يوسف
Photo: Christian Krug