ثقافة وفن

برليناليه: Draußen فيلم ألماني يرصد حياة وممتلكات المشردين

الخميس 22 فبراير 2018

بعد أن ألهمها معرض للمتلكات الصغيرة في اسطنبول، قررت المخرجة “يوحنا سوندرز – بلاسمان”، القيام برصد حياة مجموعة مشردين، رغبة في الإجابة على تساؤل أساسي: ماذا عساها أن تكون ممتلكات المشردين؟ وماذا يحتاج شخص ما ينام في الشارع كي يعيش حياته اليومية؟ وماذا يحملون في حقائبهم البلاستيكية التي لا تفارقهم في حلهم وترحالهم المتكرر؟

بدأت يوحنا مع زميلتها المخرجة “تاما توبياس – ماخت” رحلة البحث عمن يمكنهما التسجيل معهم، وبالفعل اختارتا 4 شخصيات من أجيال مختلفة وبشخصيات مختلفة تمامًا، جميعهم يعيشون في الشارع وهم “إيلفس – ماتسيه – فيلتسلاوس – سيرجيو”.

إيلفس رجل تخطى الستين من عمره، شعره ولحيته طويلان ويعيش في الشارع، حيث يضع سريرًا وكرسيًا ومنضدة وسجادتين في أحد الأركان، جعل منهم جميعًا شيء ما يشبه المنزل الحقيقي، يحافظ على نظافة المكان وترتيبه لأنه لا يريد أن يقال بأن سكان الشوارع غير نظيفين، عانى في طفولته المعذبة من الفقر، وهو معجب كبير بالمطرب “إيلفس بريسلي”. خسر حب حياته التي ماتت إثر حادث في شبابه، لذا قرر العودة إلى الشارع بعد تركه له. يضع إيلفس علم أمريكا أمام بيته المفترض معلنًا دولته الصغيرة المستقلة، يرفض العودة لأي مكان مغلق سواء كان بيتاً أو ملجأ، وكلما أخذه مركز اجتماعي شعر بالاختناق وسارع بالهرب إلى الشارع.

فيلستلاوس وسيرجيو جاران في الشارع، كلاهما ارتكب جرائم في الماضي، حيث جاء فيلتسلاوس من كازاخستان بعد سقوط الجدار وقد أدمن المخدرات، لكن لم يحصل على حياة جيدة يومًا ما. أما سيرجيو فقد ارتكب جرائم سرقة في الماضي كي يجد وسيلة للعيش، حيث كان يأخذ المثليين الجنسيين ويسرقهم مستغلًا كراهية المجتمع لهم، متأكدًا من أنهم لن يذهبوا إلى البوليس خوفًا من القبض عليهم، وهو الآن يعيش في الشارع، لكن لديه ثلاثة أبناء فتاتين ناجحتين في حياتهما، وفتى مراهق يبدو أنه سيسلك طريقه إلى الشارع على حد قوله.

ماتسيه.. شاب يعيش في الغابة، عندما ترى مكانه تشعر بالمعنى الحرفي لبيت كامل في الهواء، حيث قام بصنع سرير أرجوحة وعلقه بين أغصان الأشجار، وعلى غصن آخر وضع لوحته المفضلة، وبين بقية الأغصان المحيطة بسريره علق بقية حاجياته والتي تضم مجموعة كبيرة من السكاكين وآلة صنع قهوة تقليدية، وعلبة شوفان، وعلبة حليب، وبعد الأدوات القديمة والحبال التي قد يحتاجها لترميم سريره. يعيش ماتسيه على ما يجده في الشارع، وكل ما يحتاجه للعيش هو أن يقوم بجمع 4 زجاجات في اليوم لبيعها، فيكفيه يورو واحد لشراء ما يلزمه من طعام يوميًا، ولا يحتاج لأي شيء آخر، سوى أن يعيش بسلام وهدوء.

عوالم نجهلها

الفيلم في رأيي من أجمل الأفلام التسجيلية التي شاهدتها من حيث الصورة، إذا ما أخذنا في الحسبان أنه يسجل لحظات قصيرة من حياة أشخاص عاشوا خارج إطار السيطرة، يتحدثون عن مشاعرهم بتلقائية ويعترفون بما اقترفوه من أخطاء، بينما يجلسون في خيامهم.

استطاعت المخرجتان، أخذ الجمهور إلى عوالم أبطال العمل الأربعة، فعندما تشاهد الفيلم تشعر تمامًا أنك معهم في عوالمهم المنفصلة عن المحيط، ولا يربطك بالواقع سوى سماع أصوات السيارات العابرة، أو أصوات الطيور في الغابة. قام الفيلم بعرض ممتلكات هؤلاء الأشخاص بطريقة تعكس أهميتها لهم، والتي يبدو أنها جمعت من صناديق القمامة، إلا أنها كل ما يحتاجونه للعيش.

التشرد بين الاختيار والإرغام

وبسؤال المخرجتان حول قدر الأمان الذي تم توفيره لشخصيات الفيلم خصوصاً اعتراف اثنان منهما بارتكاب بعض الجرائم، أجابتا أنهما تأكدتا من قضاء فيلستلاوس وسيرجيو لعقوبتهما جراء أفعالهم السابقة. كما صرحتا بسعادة أن “ماتسيه” وجد شقه وحصل على تدريب مهني في النجارة. أما إيلفس فما زال يقيم في الشارع ولا يرضى له بديل، وعن فيلستلاوس وسيرجيو لم تستطع المخرجتان التواصل معهما لمعرفة ماذا يفعلان الآن.

في النهاية وبعد مشاهدة هذه العوالم الأربعة المختلفة، عندما ستقابل مشرد في الشارع ستدرك أنه ليس مجرد إنسان لا تعجبك رائحته قرر العيش في الشارع، بل ستبدأ في تخيل سيناريوهات معقدة لمعاناة هؤلاء البشر طوال حياتهم ما جعلهم يعيشون على الطريق بإرادتهم أو مرغمين على ذلك..

أمل برلين | قراءة وإعداد: أسماء يوسف
Photo: Rolf Zoellner- EPD