ثقافة وفن

نهاد سيريس: في سورية حرب أهلية.. وحراك برلين الأدبي مدهش!

الأربعاء 7 نوفمبر 2018

يشبه حلب بكل شيء، بالعراقة والأصالة وحتى شعر رأسه تلون بلون حجارتها البيضاء، يعشقها لحد الهيام لذلك كرّس جلَّ أعماله عنها، إنه ابن حلب الشهباء الكاتب والروائي والسيناريست نهاد سيريس الذي يتخذ برلين مقراً له منذ عدة سنوات إلى أن يتمكن من العودة إلى سورية.

درست الهندسة المدنية وهي مجال علمي بحت فكيف انتقلت إلى المجال الأدبي؟

كنت منذ البداية أميل إلى الأدب وبدأت الكتابة وأنا لم أزل طالباً في المدرسة وصارحت والدي بنيتي أن أصبح كاتباً فقال: “جيد ولكن الأدب في بلدنا لا يشكل مصدر دخل لذلك يجب عليك إيجاد عمل تسطيع من خلاله العيش بشكل كريم، أما عملك بالأدب فسيكون أشبه بالهواية”. فاستمعت إلى نصيحته وتفرغت للدراسة وأصبحت مهندساً. ونصيحة والدي كانت صحيحة مئة بالمئة لأنني لم أكن بحاجة إلى المال عندما كنت أجلس لأكتب، والكتابة كانت حباً بالأدب، وأظن أن هذا يقدم أدباً أفضل، فلم أكن مضطراً لأن أقدم تنازلا ما لكي أسوّق عملاً أدبياً. فعندما لا تكون بحاجة إلى المال تستطيع أن تكتب عملا جيداً وإذا لم يعجبك تستطيع محوه وإعادة كتابته من جديد حتى ترضى عنه، ولكن عندما تكون بحاجة إلى المال فأنت مضطر إلى إنهاء عملك بسرعة كي تنشره وتحصل على المال. وفي بلدنا تضيع الحقوق بعكس ألمانيا مثلاً حيث حقوق النشر واضحة وصارمة وكثير من الأدباء والكتاب يعتمدون بدخلهم على ما يكتبون, فلقد تُرجمت رواية “الصمت والصخب” إلى الألمانية وكان مدخولي منها أكثر من دخلي من كافة الروايات التي نشرتها بالبلدان العربية.

كتبت العديد من الروايات، لكن لم تصبح اسم معروفاً إلا بعد أن عملت بالدراما ككاتب.. هل تعتقد أن على الروائي العمل في الدراما كي يصبح مشهوراً؟

الدراما التلفزيونية التي كتبتها لعبت دوراً هاماً بالتعريف باسمي وفي إحدى المرات شاهدت في إحدى مكتبات حلب إحدى رواياتي وقد كتب صاحب المكتبة تحتها عبارة أن صاحب هذه الرواية هو نفسه كاتب مسلسل خان الحرير، وذلك ليسوّقها ويزيد من مبيعاته، وأظن أن سبب ذلك هو أميّة القراءة فالناس في فترة الثمانينات والتسعينات وإلى حد ما حتى الآن، لا يوجد مستوى قراءة كالتي يتمناها أي كاتب لذلك فإن نسبة عالية من الناس تفضل مشاهدة التلفاز وتعتبره مصدراً كافياً للثقافة، كما أن الأسماء المعروفة من كتاب الأدب معدودة، فأنا كنت معروفاً ضمن الأوساط الأدبية فقط بينما كتابة مسلسل واحد ناجح جعلني معروفاً في مختلف الأوساط.

في روايتك (الكوميديا الفلاحية) ترصد انتقال البدو إلى مدينة حلب في النصف الأول من القرن الماضي حيث نقلوا معهم عاداتهم وتقاليدهم وقمت برصد الحالة بنوع من التخوف والقلق، فما هي خطورة ذلك الأمر برأيك؟

نعم لأن ذلك سيضر المجتمع المدني الذي كان يناضل كي يسود القانون وهذا القانون عليه أن يكون قانوناً مدنياً وليس قانوناً طائفياً أو عشائرياً، ومن المعروف أن للعشائر قوانينهم الخاصة ويحاولون دائماً التهرب من الخضوع للقانون المدني ويطبقون قوانينهم الخاصة، لذلك يعتبرون متمردين على القانون، خذ على سبيل المثال حالة كمسألة الثأر فالقانون المدني لا يسمح بأن يقوم كل شخص بمعاقبة المعتدي كما يحلو له. هذا أمر خطير لأن الخضوع للقانون هو من الخطوات الضرورية لبناء المدنية والحضارة. فهم عندما أتوا إلى حلب جاؤوا يحملون قوانينهم الخاصة فتم رصد هذه الحالة في رواية الكوميديا الفلاحية.

في روايتك (الصمت والصخب) بطل الرواية فتحي يعشق امرأة متزوجة ويعاشرها فهل أردت إيصال رسالة أن المتمرد على النظام هو متمرد أيضاً على المحرمات في المجتمعات المحافظة؟

بالحقيقة المرأة قبل أن تتعرف على فتحي كانت قد هجرت زوجها بسبب خياناته وبالتالي هي كانت شبه مطلقة وتعيش بمفردها فأقام فتحي معها علاقة عاطفية خارج إطار الزوجية، وهذا ما نستطيع القيام به في الرواية باعتبار أن سلطة الرقيب تكون أقل في العلاقات الاجتماعية ولكن لا نستطيع أن نقوم به في الدراما، التي تلزمنا الرقابة بشرعية أي علاقة تقوم بين أي رجل وأي امرأة من خلال عقد زواج بينهما، فالدراما التلفزيونية تصل إلى أصناف مختلفة من الناس وكان الرقيب يسعى إلى منع أي شيء يضر “الهدوء الاجتماعي” بينما نجد مساحة أكبر للحرية في الرواية، ولا ننسى أن بطل الرواية كان ليبرالياً مناهضاً للنظام القمعي والتقاليد الموروثة.

في عدة لقاءات لك عندما تتكلم عن الوضع السوري تقول الأحداث ولا تقول ثورة برأيكم ماذا يجري في سورية تماماً؟

ما يجري في سورية حرب أهلية، لقد قلت عام 2012 أنا مع التغيير ولكن أخاف من الثورات فالثورات تنقلب فجأة إلى شي غير مضبوط وهذا ما جرى في سورية فلقد خرجت الأمور عن السيطرة وتحولت إلى حرب أهلية يقودها نظام قمعي عنيف، لقد تم جر الناس إلى القتال من خلال الدبابة، ساعد في وصول قوى إسلامية كداعش والنصرة، وهذا أمر غير مقبول لدى المثقفين السورين الذي كانوا يرغبون في التغيير السلمي إلا أن الأمور خرجت من أيديهم وتم تهميشهم، فهم ليسوا مع النظام من جهة وليسوا مع القتال من جهة أخرى.

ما رأيكم في الحراك الثقافي والفني الحاصل في برلين؟

حقيقة أنا سعيد جداً بهذا الحراك المدهش الذي يقوم به السوريون هنا في ألمانيا وفي بلاد اللجوء بشكل عام، ومصدر سعادتي هو أننا لسنا أمة جامدة بلا شعور أو أمة بلا ثقافة، فثقافتنا عريقة تعود الى آلاف السنين وما يجري هو إثبات أننا أمة حيّة تنتج الثقافة باستمرار سواء كانت أدباً أو فناً. انظر إلى الأنشطة الثقافية السورية هنا فلم يكن قد مضى سوى زمن قليل على وصول السوريين حتى أصبحت الأمسيات الأدبية والشعرية شائعة ولا يمضي أسبوع دون حفلات موسيقية ومسرحية ومعارض فنية يقيمها السوريون بمفردهم أو بالتعاون مع الفنانين الألمان، حتى أن بعض رواد الفنون يشتكون من أنهم لا يستطيعون حضور أكثر من نشاط في يوم واحد.

أمل برلين | إعداد وحوار: سامر مسوح
Photo: author Nihad Serees