وجهة نظر

معايير تقبّل الآخر.. طبيب هندي خارق أم سبايدرمان إفريقي؟

الجمعة 3 أغسطس 2018

“وطني هو العالم كله حيث توجد السحب والطيور ودموع البشر”

روزا لوكسمبورج

في وقت من المفترض أن البشرية تتجه فيه إلى إزالة كل ما من شأنه التمييز بين البشر، وتهميش حواجز العرق واللون والحدود، يفاجئنا الواقع بالعديد من الحوادث التي تؤكد عكس ذلك، فمن فيديو الشاب المالي المهاجر إلى فرنسا والذي ظل يسير في الشوارع على غير هدى لشهور دون أن يدرك وجوده أحد، حتى كان عليه أن يتحول في لحظة إلى الرجل العنكبوت لينقذ طفلًا فرنسيًا كي ُيمنح الجنسية ووظيفة ويقابله رأس السطلة في فرنسا..

إلى حادثة لاعب الكرة الألماني ذي الجذور التركية أوزيل والذي أصبحت هويته مثار جدل وموضع نقاش عام ومثار تساؤل في ألمانيا فطالما كان ناجحًا كان ألمانيًا، وكلما أخفق أصبح تركيًا (على حد قوله)، وليس انتهاءًا بالدراما التي من المفترض أن يأخذنا الخيال فيها إلى أقصى تجسيدات الإنسانية إذا ما كنا بصدد النضال من أجل قضية ما، ولكنه وعلى العكس من ذلك، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو مقتطع من فيلم هندي بعنوان Mersal يعرض رجلاً هندياً أسمر البشرة يرتدي الساري الهندي يتعرض للإهانة من شرطة مطار باريس لأسباب تبدو عنصرية، وأثناء ذلك يكتشفوا بالصدفة أنه من أكبر جراحي العالم بعد قيامه بإنقاذ امرأة فرنسية من الموت بشكل خارق، عندها فقط يشعرون بالندم لإهانته ليرد هو عليهم الرد الأكثر ابتذالًا قائلًا: “لا تحكم على الكتاب من غلافه”. (شاهد هنا)

كل هذه الأمور تعيدنا إلى تساؤل الهوية والوطنية وما يصاحب تكريسهما من مظاهر عنصرية، بل إن ذلك يحدث في عالم يقف على حافة الانهيار جراء التوحش النيوليبرالي ومشكلات المناخ والحروب والفقر في العالم.. فلمَ امتداد كل مظاهر العنصرية في العالم في وقتنا هذا؟ وما حاجة البشر إليها وقد مرت عقود طويلة على إنهاء الرق والقضاء على التمييز العنصري في العالم؟

العنصرية والتمييز ضد أجناس وأعراق بعينها هي عملية تاريخية معقدة مركبة بل ونسبية أيضًا، ولا يمكن إرجاعها إلى سبب ما وحده، ومع تعدد الأسباب والنظريات المفسرة لظهور العنصرية لا يمكننا تجاهل العامل الاقتصادي حيث يذهب إيريك ويليامز في كتابه الرأسمالية والعبودية بشكل متطرف إلى القول بأن العنصرية بدأت كشأن اقتصادي أكثر منه عرقي، فهو متعلق بمسألة رخص العمالة، وأن الصدفة الجغرافية هي من وضعت أفريقيا في المكان الأقرب ثم الهند والصين، من هنا جاءت الحاجة إلى عنصرية تُخضع هؤلاء البشر لشروط الأسياد، وعلى ذلك يبني ويليامز نظرته كاملة على أن العبودية لم تكن نتيجة للعنصرية بل على العكس كانت العنصرية نتيجة ومتطلبًا لاستمرار العبودية. ولكن لماذا على العبودية أن تبقى؟

يعزي كارل ماركس الأمر إلى بدايات التحول من الأسلوب الاقطاعي للإنتاج إلى الأسلوب الرأسمالي والذي كان أحد وسائله النظام الاستعماري، فيقول في كتابه رأس المال: “إن اكتشاف مناجم الذهب والفضة في أمريكا واقتلاع سكانها الأصليين من مواطنهم واستعبادهم ودفنهم أحياء في المناجم وبدايات غزو الهند الشرقية وتحويل أفريقيا إلى ساحة محمية لصيد ذوي البشرة السمراء هو ما ميز بداية عهد الإنتاج الرأسمالي”، فلديه أن ما أسماه بالعبودية المموهة للعمال المأجورين في أوروبا كانت بحاجة إلى العبودية الكاملة. وبالتالي يمكننا استخلاص أن العبودية كانت شرطًا لاستمرار الرأسمالية، ومن قبلها كانت العنصرية ضرورة لاستمرار العبودية. وتظل الحاجة للعبودية بأشكال مختلفة فمازال الرأسمالي يحتاج إلى مراكمة رأسماله.

المواقف سالفة الذكر ليست ببعيدة عن علاقة الرأسمالية بالعبودية بالعنصرية، إنه منطق المنافسة الفجة الذي جاءت به النيوليبرالية، وعلى الرغم من دور المنافسة في تطوير البشرية إلا أنها في شكلها المتوحش الحالي تشترط على البشر شروطًا خيالية كي يستطيعوا أن يُحصِلوا ما يجعلهم يعيشون كبشر، فإن كنت أفريقيًا عليك أن تصبح سبايدرمان تتسلق الحوائط بل وتكون موجودًا وبالصدفة البحتة في الوقت الصحيح في مكان حيث يسقط طفل فرنسي فتنقذه، عليك ألا تفشل في مهمتك الخارقة كي يقبلك المجتمع و”يمنحك” رئيس الدولة فرصة للحياة الكريمة، أما إن كنت هنديًا فلن يكفي أن تكون إنسانًا ليتم احترام آدميتك، فعليك أن تكون طبيبًا، لا بل أشهر جراحي العالم وأن تنقذ سيدة فرنسية من الموت لكي يتم الاعتذار لك عند إهانتك، فكونك طبيبًا ناجحًا لن يعفيك من الإهانة ولكنه سيضمن لك الاعتذار، وبغض النظر عن كنه ظاهرة العنصرية ومنشأها ومسبباتها اجتماعيًا وتاريخيًا، تظل ممارستها واحدة من أسوأ ما يهدد المكتسبات الإنسانية التي ناضلت البشرية لتحقيقها قرونًا.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبته، ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين.

أسماء يوسف | أمل برلين
Photo: pixabay