وجهة نظر

عندما تستخدم “كرة القدم” لتسديد أهداف سياسية!

الإثنين 18 يونيو 2018

انتشرت منذ أسابيع صور على الإنترنت تجمع لاعبي المنتخب الألماني، مسعود أوزيل، وألكاي جوندجان المنحدرين من أصول تركية مع الرئيس التركي أردوغان. هذه الصور أثارت الكثير من النقاشات وردات الفعل، لأن الكثير من الألمان والإعلام الألماني وبالأخص بعد اعتقال الصحفي الألماني دنيز يوجِل أصبحوا يعتبرون نظام أردوغان نظاماً دكتاتورياً ينتهك حقوق الإنسان.

هذه الحادثة والتي حصلت قبل انطلاق صافرة بطولة كأس العالم التي تُقام في روسيا، جعلت بعض الألمان يطالب مدرب المنتخب الألماني المشارك في البطولة باستبعاد اللاعبين أوزيل وجوندجان، لأنهما ظهرا بصورة مع دكتاتوتور بحسب رأيهم يقوم بحملة انتخابية في ضوء الانتخابات التركية التي ستجري الأسبوع القادم. على الطرف الآخر كان هناك أصوات معارضة لذلك، أصوات طالبت بفصل السياسة عن الرياضة. المصطلح الذي راج بكثرة أثناء لعب المنتخب التابع للنظام السوري في تصفيات كأس العالم، حيث انقسم السوريون بين مشجع لهذا المنتخب، وبين آخرين لم يعترفوا بتمثيله لسورية، كونه يمثل النظام السوري الذي يسعى من خلال هذا الفريق إلى “تبييض” صورته أمام الرأي العام العالمي.

هل بالفعل نستطيع أن نفصل السياسة عن الرياضة؟ في الماضي تم استخدام كرة القدم كأداة من أدوات الماكينة الإعلامية لكثير من القادة الفاشيين. إدواردو غالينو الكاتب الأورغواني نشر كتاباً تحت عنوان “كرة القدم بين الشمس والظل” تحدث فيه عن تاريخ ونشأة كرة القدم بإسلوب توثيقي لا يخلو من الأدب.

يقول غاليانوا في كتابه “ففصيلة إيطاليا ربحت مونديالي 34 و38 باسم الوطن وموسليني وكان لاعبوها يبدؤون وينهون كل مباراة بصرخة تحيا إيطاليا، وبتحية الجمهور ببسط راحاتهم” كما يشير الكتاب إلى النصب التذكاري الذي يُذكر بلاعبي فريق دينامو كييف في 1942. ففي أوج الاحتلال النازي اقترف أولائك اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمىة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي وكان الألمان قد حذروهم إذا ربحتم ستموتون وقد فازوا في المباراة وتم إعدامهم وهم بقمصان اللعب بعد انتهاء المباراة مباشرة.

ويرى الكاتب أن فريق الدكتاتور الإسباني فرانكو وجد في فريق ريال مدريد سفارة متنقلة، حيث أن أهداف الفريق كانت أبواق نصر لنظام فرانكو الدكتاتوري الذي وجه كلمة للفريق عام 1959 شكره فيها على حشد الناس حول فرانكو ونظامه، والقائمة تطول وتطول لكن لم نجب هل سنكون قادرين على فصل السياسة عن الرياضة؟

لعب الفريق الألماني والفريق السويسري والفريق الفرنسي مبارياتهم الأولى من بطولة كأس العالم 2018، واستعراض أسماء اللاعبين المشاركين في الفريقين يعطي الكثير من الدلالات، خصوصاً في القارة الأوربية، والتي تعيش حالياً صراعاً مع الأحزاب اليمينية التي تشهد تقدماً في السياسة. لكن فرق هذه الدول الثلاثة والتي تعتمد اعتماداً كبيراً على المهاجرين أو اللاعبين من أصول مهاجرة تصفع الأحزاب اليمينية على وجهها، وتعري إدعاءاتها بتفوق العرق الأوربي، ففي تمريرة للكرة بين كروس وبواتينغ ينهار جدار العنصرية، لتقتلعه من جذورة تمريرة أخرى بين سامي خضيرة وتوماس مولر. هؤلاء اللاعبون يضعون كل ما لايلزم في لعب الكرة بغرفة الملابس، فلا دين ولا لون ولا عرق، فقط لون قميص المنتخب، والساحرة المستديرة، والحلم بالفوز هو الذي يجمعهم في مساحة خضراء تجمع قلوب الملايين.

نعم السياسة تتدخل في الرياضة، لكن لا قانون يعلو فوق قانون الكرة في الملعب، ولا سقف للأحلام غير السماء، ولا فرق بين أبيض أو أسود، ولا مواطن أصيل أو مهاجر، إن أهمية ملعب كرة القدم تعادل أهمية وجود المسرح، فإن كان وجود مسرح هو سبب لوجود شعب عظيم بحسب ما يُنقل عن شكسبير، فوجود ملعب كرة القدم يُسهم بصناعة هذا الشعب أيضاً.

خالد العبود | أمل برلين
Photo: Amal, Berlin