وجهة نظر

سبعون عاماً على الإعلان فأين حقوق الإنسان؟

الإثنين 10 ديسمبر 2018

كاتب المقال سامر مسوح

بعد صراع طويل بالحرب العالمية الثانية أدى إلى نتائج كارثية على الصعيد الإقتصادي والإنساني، وجد العالم نفسه مضطراً لوضع مبادئ جديدة تضمن للإنسان كرامته وحريته والمساوة مع بني جلدته، بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين أو البقعة الجغرافية التي يقطن بها. مبادئ تضمن للمرأة أبسط حقوقها بعد سنوات عسيرة من إضطهاد، وتضمن للعامل الحق بالعيش الكريم بعيداً عن أي نوع من أنواع العبودية، وتعطي الأطفال الحق بالتعليم والرعاية الصحية وكل ما هو مطلوب لنشأة سليمة تجعل منه مواطناً صالحاً في المستقبل، وتعطي الحق بالتعبير عن الرأي وحرية الإعتقاد بأي دين أو معتقد، وحرية العمل السياسي والإنتماء إلى أي حزب يريد.. إلخ.

وبعد مشاورات ومباحثات طويلة الأمد أعلن في العاشر من شهر كانون الأول/ ديسمبر عام 1948 في الجمعية العامة للأمم المتحدة عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وهي الوثيقة الأكثر ترجمة على الإطلاق، فقد ترجمت إلى حوالي 500 لغة كي تصل إلى سكان الأرض قاطبة. وفي عام 1966 تبنت الأمم المتحدة الميثاق الدولي الخاص حول الحقوق المدنية والسياسية، وميثاق آخر حول الحقوق الإقتصادية والاجتماعية والثقافية ويطلق على هذه الحقوق مجتمعة (الشرعة الدولية لحقوق الإنسان)، يضاف إليها مجموعة من الإتفاقيات الخاصة كحقوق ذوي الإحتياجات الخاصة، وحقوق الطفل وحقوق أسرى الحرب، واتفاقية مناهضة التعذيب.

سبعون عاماً من الإعلان فأين حقوق الإنسان

لا شكّ أن حقوق الإنسان هي أسمى ما أنتجته البشرية بحق كرامة الإنسان والمساواة المطلقة بين الجميع، وتتفوق بذلك على كل الشرائع سواء البشرية أو ما يطلق عليها بالشرائع السماوية، فلا يوجد شعب مختار ولا خير أمة ولا قوم بعينهم هم نور للعالم، ولكن ما هو مصير حقوق الإنسان بعد عشرات السنين من إقرارها؟ أين هو الحق بالحياة الكريمة لملايين السوريين الذي يعيشون أما تحت القصف سواء من النظام أو من الروس أو من قوات التحالف، وإما محاصرون يموتون جوعاً كما حصل في مضايا في ريف العاصمة دمشق, أو يعيشون في ظروف غاية في القسوة في دول الجوار، فيتعرضون لأسوء أنواع التمييز العنصري، بينما المجتمع الدولي لا يحاكم من كان سبب في تهجيرهم من الأسد لبوتين وأردوغان والبغدادي بل يحاكم سباحة تدعى سارة مارديني أنقذت أرواح عدد ممن هربوا من ويلات الحرب..

وغير بعيد عن سورية تزداد الأوضاع سوءاً في اليمن من حيث عدد القتلى والجوعى والمشردين، وكل ما تفعله دول الغرب المتحضر هو بيع الأسلحة لمن يقصف الشعب اليمني. وإذا ما انتقلنا إلى حقوق العمال نجد أن الإستغلال ما زال موجوداً بأبشع صوره في دول الخليج العربي الذين يتعاملون بطريقة تشبه العبودية مع العمال الأسيويين، والأمر ليس بأفضل في لبنان مع العمال السوريين الذين يعملون بأجور بالكاد تكفي قوت يومهم دون أي ضمانات صحية في حال تعرض لإصابة، وما زالنا نسمع بين الفترة والآخرى عن وفاة عمال صينيون في المناجم لعدم وجود إجراءات السلامة الضرورية لحمايتهم..

أما عن حقوق المرأة فإذا ما استثنينا تونس فالوضع مزري بدرجات متفاوتة في البلدان الإسلامية، فمازالت بعض التشريعات ترى في ضرب المرأة تأديب لها وحق لزوجها، بالإضافة إلى وجود قوانين من المخجل التكلم عنها كضرورة مرافقة محرم لها عند السفر، أو حبسها بحال خلعت الحجاب كما يحصل في إيران.

أما عند حرية المعتقد فما تزال عدد كبير من الدول ترفض أن يغير الإنسان دينه أو الإجهار بأنه لا ديني، وبحسب صحيفة الإنديبندت هناك ثلاث عشرة دولة إسلامية بينها سبع دول عربية تحكم بالإعدام على الملحدين. ومن جانب آخر نجد اضطهاد للمسلمين في الصين وميانمار حيث تنتهك حقوقهم لسبب واحد هو أنهم مسلمين لا أكثر، كما هو الحال مع أقباط مصر الذي تعرضوا للعديد من التفجيرات فقط لأنهم مسيحيون. أما بالكلام عن حق التعبير فسجون الطغاة تعج بمعتقلي الرأي والضمير، فعندما قرروا التعبير عن رأيهم والمطالبة بحقوق الإنسان كانت لهم مخابرات الأسد والسيسي وأردغان وبن سلمان وغيرهم بالمرصاد.

كل ما ذكر هو مثال بسيط جداً عن انتهاكات حقوق الإنسان التي نحتاج إلى آلالاف الصفحات كي نضيئ عليها جميعها، وبالتأكيد إن الوصول إلى عالم يحترم كرامة الإنسان وحقوقه هو مسار طويل جداً ويحتاج إلى نضال حقيقي وجهود جبارة من قبل الجميع، والمشكلة الحقيقة ليس بعدم تطبيق معايير حقوق الإنسان من قبل الحكام، بل عندما يصبح الشعب نفسه معادٍ لها فيعشق حاكمه المستبد، ويرفض حق الآخر في تقرير مصيره الديني أو السياسي ويعادي المخالفون له بالآراء أو بالميول الجنسية..إلخ، وهنا تصبح نشر ثقافة حقوق الإنسان مهمة أصعب بكثير.

  • المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة أن عن رأي موقع أمل برلين
    سامر مسوح | أمل برلين
    Photo: pixabay.com