وجهة نظر

دائرة “الكراهية والتنمر” بين اللاجئين!

الإثنين 17 ديسمبر 2018

كانت تهاتفني بشكل شبه يومي لتطمئن إن كنت بحاجة إلى مساعدة تعلم هي أنها لن تقدمها أبدًا، فهي تعيش في مدينة أخرى.. كانت فقط تعرف أخباري اليومية وكيف هي الإجراءات.

في المكالمة قبل الأخيرة كانت غاضبة لسبب لا أعرفه ثم قالت: “اللاجئين مدللين، فأنا أقوم بالترجمة لهم، إنهم يحصلون على كل شيء بلا مقابل”! لم أفهم ساعتها أي مقابل مطلوب من أناس وصلوا للتو هاربين من حرب لم تترك لهم شيء حتى يتذكرونه، ثم ما لبثت وبنفس الغضب أن شتمت بعض الألمان الذين قابلتهم في حياتها نظرًا لما أبدوه تجاهها من سلوك عنصري.

شاهدت مؤخراً أحد البرامج الحوارية يتحدث عن نجاح الاندماج في ألمانيا. استضاف البرنامج مجموعة من السيدات والشباب العربي، توقعت أن تتم مناقشة الموضوع بشكل منظم مع الخوض قليلًا في إشكالية المصطلح وأبعاده، وبعيدًا عن رأيي بالحلقة، لكن عدة لقطات أثارت انتباهي وأحب أن أذكرها هنا، حيث راحت إحداهن تطلق التعميمات وتلقي اللوم على اللاجئين الذين جاءوا إلى ألمانيا فقط لكي يجلسون في البيوت ويحصلون على “الرواتب” أي المعونة الاجتماعية، وآخر ألقى بلائمة ممارسة العنصرية على من تمارس ضدهم العنصرية، وثالثة أكملت حلقة كانت قد بدأت من التنمر على شاب سوري لم “يندمج حتى الآن”، عدا إثنين أو ثلاثة من الحضور، راح الجميع يتبارى في استعراض قدراتهم الخارقة على الاندماج، وذلك بالطبع من خلال قيام كل منهم بعقد مقارنة بينه وبين الشاب موضوع التنمر في الحلقة، لأنه بالطبع دون هذه المقارنة فلن ينتبه أحد لأمجاد هؤلاء الأشخاص في ألمانيا.

المترجمة التي رأيتها بعيني تسيء معاملة طالبة لجوء وزوجها وتنهرهما لمجرد محاولتهما فهم ما يجري، كانت تحادثهما بلهجة سورية أو لبنانية، لم أستطع أن أفرق، لا أذكر تحديدًا كل ما قالته لكن أذكر جيدًا عندما قالت وكأنها تشعر بالعار لوجودهم: “توقفوا عن الأسئلة، ماذا سيقولون عنكم، لن أسمع شيء أكثر من ذلك”. يمكنك أن تسمع من بعض اللاجئين ما عانوه من الأخصائيات والأخصائيين الاجتماعيين (رغم كونهم عرب مثلهم) وتخلفهم عن المواعيد وعدم ترجمة ونقل احتياجات الناس بشكل دقيق للمنظمات التي يعملون معها.

كل هذا وأكثر يقودنا إلى الدائرة المغلقة لكراهية الذات والتنمر، اللذان يغذيان بعضهما بعضًا، ويسيران معًا في دائرة ليعيدا انتاج أحدهما الآخر. يبدأ بعض أفراد من مجتمع ما بممارسة العنصرية أو التمييز أو الكراهية أو التنميط على جماعة أو أقلية أو حتى مجتمع آخر، توضع المجموعة التي تتلقى مثل هذه الممارسات تحت ضغط دائم، فيكون أمامها إما الانعزال عن بقية المجتمع تمامًا، أو التماهي مع ما يمارس ضدها، ويظهر هذا التماهي كنوع من أنواع كراهية الذات، ليبدأ أبناء الجماعة الواحدة في ممارسة التنمر على بعضهم البعض.

قالت لي مهاجرة عربية يومًا: “عندما يصمون المهاجرين بالعمل في الجريمة وتجارة المخدرات لا أعترض، وإلا سيظنوا أنني أدافع عنهم لأنني منهم”.. هذه الجملة تفسر كل شيء، فهنا تكمن المشكلة، فعندما يواجه أشخاص تنتمي إليهم حملات من التنميط والتمييز، عليك الإسراع للتبرؤ بكل ما يربطك بهم، بدلًا من أن تخوض نقاشات حقيقية حول كنه المشكلات وكيفية إيجاد حلول لها، فقط ابحث عن واحد من أولئك الذين تأخروا بعض الشيء عما وصلت له أنت، ابحث عنه واستخدمه لاستعراض تميزك وتبرؤك مما هو عليه!

لم يقم أحد ممن قاموا باستعراض نجاحاتهم في الحلقة على حساب الشاب المتخلف عن الركب، باستكمال عملية المقارنة، مثل: “هل حصل الشاب على نفس مستوى المعيشة الذي حظوا به في سوريا؟ هل كان لديه أسرة ميسورة استطاعت تعليمة الانجليزية ليتحدثها بطلاقة والتي كانت مفتاح سحري لبعض القادمين الجدد في ألمانيا؟ هل عانى الشاب رحلة الوصول عن طريق البحر أم جاء -لم شمل- أو بشكل -نظامي- مثلما حدث مع بعض النماذج المستعرضة في الحلقة؟ هل يعيش الشاب مع زوجته أو أسرته مثلما أقر بذلك -نماذج نجاح الاندماج- في الحلقة؟ أم يعيش وحده؟ هل يعيش الشاب في مركز إيواء لاجئين مع ثلاثة آخرين في نفس الغرفة، أم يعيش في شقة مرتبة مع زوجته أو أسرته؟ هل لدى الشاب نفس العلاقات الاجتماعية مع الألمان مثلما هو الحال مع بقية الضيوف؟ هل تساءل أحد حول ما يمكن أن يعانيه أي إنسان لم يستطع تحقيق ما حققه الآخرون؟ أكاد أجزم أن الإجابات عن هذه الأسئلة ستوضح مدى عدم عدالة المقارنة!

عزيزتي القادمة الجديدة، عزيزي القادم الجديد.. هذا المقال ليس دعوة للكسل، ولكنه دعوة للترفق بالذات عوضًا عن كرهها، نجاحكم يسعدنا جميعًا ولكنه لا يجب أن يكون سببًا للتباهي على الآخرين ممن لم يستطيعوا تحقيق ما حققتموه. لا أحد يأتي إلى هنا لكي يحصل فقط على المساعدات الاجتماعية، الناس جاءت هربًا من حرب وكراهية تأكل الجميع، لا أحد يحب أن يبقى بلا عمل، فللعمل دوافع كثيرة غير جني المال..

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين

أسماء يوسف | أمل برلين 
Photo: pixabay.com