وجهة نظر

جمال خاشقجي.. دخل ولم يَعُد!

الثلاثاء 9 أكتوبر 2018

منذ أسبوع دخل الصحفي والكاتب السعودي جمال خاشقجي القنصلية السعودية في استنبول ولم يخرج، هذه الحادثة أثارت الكثير من الجدل حول اختفاء خاشقجي، ومصيره المجهول. حتى كتابة هذا المقال هناك روايتان: الأولى رواية الأمن التركي، والتي ترجّح أن خاشقجي تمت تصفيته داخل قنصلية بلاده، وأكدت مصادر أمنية تركية لعدة مواقع إعلامية مرموقة أن 15 سعودياً وصلوا إلى استنبول على متن طائرتين تتبعان لشركة خاصة، ودخل هؤلاء القنصلية السعودية خلال تواجد خاشقجي فيها، ثم غادر هؤلاء كما دخلوا البلاد بعد ساعات، وأشيع أنه تم نقل جثة خاشقجي خارج القنصلية بعد أن تم تقطيعها. هذه الرواية لم تقدّم السلطات التركية أية أدلة على صحتها بعد.

أما الرواية الثانية فهي للنظام السعودي، والتي تؤكد خروج خاشقجي من مبنى قنصلية بلاده بعد انتهاء معاملته، وتنفي ما ورد في وسائل الإعلام عن مقتله داخل المبنى الدبلوماسي. ودعت القنصلية الصحفيين لدخولها، والنظام السعودي لم يقدّم أدلة على صحة مزاعمه، رغم أننا نتحدث عن سفارة وقنصلية، أي نتحدث عن أبنية تحتوي على أنظمة أمنية ورقابة متطورة، لكن الرجل دخل ولم يخرج.. فأين جمال؟

جريمة البحث عن مساحات حرية

حادثة اختفاء خاشقجي ودخوله إلى قنصلية بلاده أثارت في ذاكرتني شعوراً أكاد أجزم أنه ذاته خامر الرجل قبل دخوله قنصلية بلاده، شعور بعدم الأمان، لأنه يعرف طبيعة نظامهم الحاكم الذي لا يختلف كثيراً عن الأنظمة العربية الأخرى، لكن يبدو أن خاشقجي الذي يقول عن نفسه خلال تسجيل صوتي لإذاعة BBC قبل اختفاءه بثلاثة أيام: “حتى الآن أنا لا أصف نفسي معارضاً، أنا كاتب أريد بيئة حرّة لأكتب وأعبر عن رأيي، وهذا ما أفعله في صحيفة واشنطن بوست، لقد منحوني منصة للكتابة بحرية”، يبدو أنه كان ما يزال حتى ذلك الوقت يحسن الظن بحكومة بلاده، والتي كان جزءاً منها يوماً ما، لكن حسن ظنه ضاع أدراج الرياح إذا ما صحت رواية قتله أو اختطافه داخل القنصلية السعودية في استنبول.

قوة الكلمة أمام بطش الأنظمة

في حالة صحت الرواية التركية، فما حدث لخاشقجي، يحدث يومياً داخل البلاد العربية!! ترى ما هي جريمة الكلمة الحرّة!؟، وجريمة الرأي الحرّ!؟ هل يستحق من يعبر عن رأيه القتل؟ أو الاختطاف؟ أو الإخفاء القسري؟ ما مدى قوة هذه الكلمة أمام أسلحة فتاكة، وأجهزة أمنية متجبرة؟ ما مدى قوتها حتى تكون في البدء وتصمد وكل ما عداها يزول. لو فكّر المستبدون بمدى هشاشتهم أمام عدة حروف على ورقة بيضاء، لحرقوا كل الأوراق وكل الأقلام، وكمّوا الأفواه التي تحاول أن تدلل على جرائمهم.

إذا ما صحت تكهنات الأمن التركي، فإن على ألمانيا أن تعيد التفكير في أشياء كثيرة، من ضمنها طلب وثائق من سفارات الأنظمة العربية التي هربنا من بطشها أصلا، فكل حامل إقامة حماية، لا يحق له الحصول على وثيقة سفر، وبذلك يجد نفسه مضطراً للدهاب إلى سفارة النظام السوري، ليستخرج وثيقة سفر، وبهذا تزيد من فرص تكرار ما جرى مع خاشقجي، لأن الأمر لا يقتصر على الصحفيين والكتاب، بل حتى على أشخاص عاديين، لكن لا أحد يتابع قضاياهم.

أنا كصحفي لن أحكم على حادثة اختفاء خاشقجي دون دليل ملموس يثبت رواية قتله، أو دليل آخر يثبت خروجه من القنصلية. يبدو أن سفارات بلادنا تحولت إلى سجون وفروع مخابرات متنقلة، بالتالي علينا أن نعيد كتابة العبارة الشهيرة المنقوشة على بوابة سجن تدمر الشهير، “الداخل مفقود والخارج مولود” على بوابات سفارات بلادنا، إن اختطاف وقتل واعتقال أي كاتب أو شخص لمجرد أنه عبّر عن رأيه جريمة كبرى، فمثل خاشقجي الكثيريين في سجون سيسي مصر، وكذلك في سجون رأس النظام السوري، وباعتقادي في كل السجون العربية من الماء إلى الماء.

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين

خالد العبود | أمل برلين
Photo: Googel