وجهة نظر

بعد سقوط جدار برلين.. هل ألمانيا بالفعل موحدة؟!

الثلاثاء 2 أكتوبر 2018

كان سقوط جدار برلين بداية نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، الأمر الذي تجدد في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. وقد ترك انهيار الجدار بصمة ليس في حياة البرلينين والألمان فقط، بل كان له جميل الأثر في قلوب كل الأحرار الذين يقاومون الظلم والاستبداد ويطالبون بالعيش الكريم والحريات في كل أنحاء العالم. فتوحدت ألمانيا، والتم شمل عائلات كثيرة، كانت منقسمة بسبب وجود الجدار، ومتحف قصر الدموع يشهد على بشاعة تلك الحقبة من التاريخ الألماني.

في السباق عندما كنت في سوريا، كنت أسمع عن جدار برلين وانهياره، لكن كل ما كنت أسمعه كان عبارة عن كلام رومنسي، مع أننا كعرب كنا بأمس الحاجة للاستفادة من “التجربة الألمانية”، فهناك على سبيل المثال الكثير من العائلات التي فرقتها حدود تم رسمها بجرة قلم، وترسيخها بالعسكر والبارود في عهد الاحتلالات، وبالتسلط، والاستبداد في عهد حكومات ما بعد الاستقلال. لا يوجد بيننا جدران لكن مع ذلك نموت على حدود بلاد أخوتنا العرب، مجرد محاولتنا أن نقطع الحدود بحثاً عن الأمان والأمثلة على ذلك كثيرة.

من يقرأ تاريخ ألمانيا في ظل الانقسام، يصعب عليه فهم الوضع إذا لم يعاينه في هذه البلاد على أرض الواقع، صعوبة في فهم قدرة الشعب وقوته لفرض إرادته، نعم لقد سقط ضحايا كثر نتيجة للجدار، وذلك أثناء الهرب، ومحاولات التسلل تجاه ألمانيا الغربية، لكن في النهاية، تستطيع القفز فوق الجدار، وبذلك تمر فوق كل أدوات الاستبداد، وقمع الحريات، والظلم. تمر فوق 40 عام من الانقسام السياسي والاقتصادي وحتى التاريخي.. 40 عام من انفصال العائلات الألمانية عن بعضها، وما ذلك إلا نتيجة من نتائج تغول قادة الحرب العالمية الثانية.

لكن هل بالفعل سقط جدار برلين، وهل فعلاً ألمانيا موحدة الآن؟ بعد 28 عام أحاول أن أجيب على هذا السؤال، فقد سمعت أكثر من مرة أن الجدار لا يزال باقياً في العقول، بالفعل إلى الآن ما تزال هناك فروقات بين الشرق والغرب، لا أريد الخوض بما لا علم لي فيه، لكن سأتحدث عن انعكاس الانقسام الماضي على واقع القادمين الجدد، فكثير منا – أي القادمين الجدد- سمع من أصدقائه أنه تم فرزه إلى الشرق، وهو غير مرتاح، ويرغب بالانتقال إلى أي مدينة تقع في غرب ألمانيا، وكثير منا لديه هذه النظرة المسبقة والتي ترسخت أجزاء منها بعد الأحداث الأخيرة في مدينة كيمنتس.

النظرة المسبقة كون الشرقيين هم عنصريون، ولا يرغبون بأي تواصل مع الأجانب، ويطالبون الحكومة باتخاذ الإجراءات لترحيلهم. لكن في المقابل في الغرب الألماني ينعم القادمون الجدد أو معظمهم “براحة البال”، فأنت أمام مجتمع منفتح، يتقبل الآخر، وربما كان عدم تقبل الآخر من قبل الشرقيين يعود لأسباب تتعلق بعهود الانقسام الذي تجسد بجدار يفصلهم عن العالم.

لكن هذه النظرة ليست حكراً على القادمين الجدد، فالألمان الغربيون يرون أن الولايات الشرقية عبء عليهم اقتصادياً، كون الولايات الغربية كانت تشهد تقدم اقتصادي كبير، مما حمّلها مسؤوليات كبيرة تتعلق بإعادة الإعمار، والمساهمة في تسريع عجلة الاقتصاد هناك، وذلك وفقاً للصحفي والروائي السوري ابراهيم الجبين. من جهة أخرى يرى الجبين وذلك أثناء حديثي معه حول هذا الموضوع أن وقع خبر سقوط الجدار كان يعادل خبر الربيع العربي الذي بدأ منذ ثمان سنوات. كما اتفق مع الجبين على أن انهيار جدار برلين كان خطوة على طريق انهيار الدكتاتوريات في أوربا الشرقية.

في النهاية لقد لمست على أرض الواقع حقيقة العبارة أن “الجدار هو في الرأس”، كما لمست على أرض الواقع كيف ترك سقوط الجدار الحقيقي أثره على تقدم ألمانيا التي تلعب حالياً دوراً مهما في أوربا، والعالم. على الرغم من وجود بعض النازيين الجدد، الذي يشعرون بالحنين إلى العهود السابقة، وبطالبون بترحيل الأجانب بكثير من الإزدراء، لكن رسالة الشعب الألماني ورغم أن الحزب البديل اليمين المتطرف هو ثالث أكبر حزب، كانت واضحة حين أطلقوا حملة “نحن الأغلبية” wir sind Mehr.. وكل عام وألمانيا موحدة وبخير أيضاً.

خالد العبود | أمل برلين
Photo: Khalid Al Aboud