وجهة نظر

الواقع والخيال بين برليناله والغوطة

الثلاثاء 27 فبراير 2018

أسبوعًا كاملًا عشته بين عالمين مختلفين تمامًا، في الصباح وطوال اليوم أتنقل بين دور السينما حيث السجاجيد الحمراء الممتدة بانتظام، بعكس فوضوية انتشار دماء أهالي الغوطة والتي أراها في الفيديوهات المنتشرة على السوشيال ميديا في فترات الاستراحة بين الأفلام كل يوم، ثم أعود إلى المنزل وأبكي حتى أخلد لنوم متقطع، وأستيقظ في اليوم التالي مثقلة بمشاهد متداخلة للركض في رعب مفتعل ومبتذل بفيلم تافه كفيلم Unsane كل قيمته مستمدة من كونه مصور بجهاز الآي فون، مع مشاهد ركض حقيقية في غوطة دمشق لآباء يحملون أبنائهم في محاولات بائسة لإيجاد من ينقذهم، ليقطع كل ذلك صوت معتقل في سجون مصر يصرخ معلقًا من قدميه ليعترف بما لم يقترفه، فأنتزع نفسي وأهرب فأجدني أمام صورة ضبابية لأهالي سيناء وما يعانوه لأجل أن يحارب الجنرال إرهابه.

أستفيق على صوت سخان الماء معلنًا وقت شرب القهوة ومغادرتي لبدء رحلة جديدة واعدة نفسي بعدم خلط العالمين لأذهب فأشاهد فيلمًا إيرانيًا (خوك) جيدًا كعادة ما تنتجه السينما الإيرانية مؤخرًا، لأصب على نفسي جام الغضب فكيف لي بتشجيع عمل على حسن صنعه لم يجروء على انتقاد نظامه السياسي الذي يعيث في سوريا خرابًا بالتعاون مع روسيا ونظام المجرم بشار الأسد.

يومًا بعد يوم يزداد شعوري بالثقل، فهل سمع هؤلاء الفنانين والفنانات عما يحدث في بلادنا؟ بالتأكيد سمعوا ورأوا ألم يصبح العالم قرية صغيرة منذ سقوط الإتحاد السوفيتي؟ إذن لماذا يتصرفون وكأن كل شيء على ما يرام؟ يبتسمون للشاشات متجاهلين إبادة وتشريد شعوب بكاملها!

وكما تواصل البشرية إفلاسها يواصل “المبدعون” إفلاسهم، فيعيدون نحت أفكار ومواضيع قتلت بحثًا وبهتت لكثرة ما تم ابتذالها، لتأتي لنا Bojina Panayotova بفيلمها التسجيلي jo vois rouge والذي يعد محاولة لاستكمال موضة ابتزاز الآباء والأمهات واستنفاذهم حتى آخر عمرهم، والتي شاهدناها في بعض الأعمال العربية، فعندما تفشل ولا تجد ما تفعله إذهب إلى أبيك وأمك واستغل حبهما لك واصنع فيلمًا فارغًا عنهما وادعي أنك كنت في خصومة مع أحدهما أو كلاهما ولكي تحصل على تصفيق الجمهور الدرامي المنفصل عن واقعه ألمًا أعلن في نهاية الفيلم بأنك تصالحت الآن، فقامت “بوجينا” ولمدة الساعة والنصف تقريبًا بمحاولة التمثيل مع والديها بأنها تنتزع منهما اعترافًا بأنهما عملا مع النظام الشيوعي في بلغاريا قبل أن يفرا بها عام 1989 إلى فرنسا، لتكتشف والدتها في مفاجأة فقدت بريقها مع ملل الفيلم أنها كانت عميلة للبوليس السري دون أن تعلم. ولأن الأم هنا لا تريد أن تخرج خاوية الوفاض تتحفنا المخرجة بعد الفيلم بمفاجأة مفادها أن والدتها ستكتب كتاب عن تجربتها التي لم يسبقها إليها أحد! لتعج القاعة بالتصفيق الحاد فالوالدة ستكشف لنا مالم نعلمه أبدًا عن القبضة الحديدية للنظم الشيوعية، فيالها من فكرة جديدة! وكأننا نعيش نعيم الرأسمالية! فيبدو أن البشر عندما لا يملكون شيئًا لمقاومة بؤس واقعهم يجنحون إلى التركيز على سرد بؤس الماضي.

ما بين افتراضية القصص المعروضة في المهرجان، وواقعية القهر والألم في عالمنا العربي وعدم قدرتي على فصل العالمين، تضخم شعوري بزيف العالم الذي نعيشه، لينتهي بي الأمر جالسة أبكي ومنهكة حتى إشعار آخر.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين

أسماء يوسف | أمل برلين
Photo: Mahmod Alherk