وجهة نظر

العمل الخيري.. عندما يكون مؤشرًا سلبيًا

الأحد 9 سبتمبر 2018

طالعتنا بعض الصحف الألمانية منتصف الشهر الماضي بعنوان رئيسي يقول نصًا: “حقائب مدرسية للأطفال المحتاجين” سرد الخبر تفاصيل العمل الخيري والمنظمات القائمة عليه وعدد الحقائب ثم أكد على أن الحقائب مقسمة إلى ثلاثة ألوان لكل مرحلة دراسية لون محدد، كل ذلك مصحوب بالحفاوة من بعض وسائل الإعلام الأخرى. الأمر يبدو جيدًا فمن منا لا يحب أن يرى الجانب الخير من الإنسانية، ولكن في حقيقته ليس كما يبدو عليه.

العمل الخيري في سياقه المطلوب

عندما جئت إلى ألمانيا منتصف عام 2015 ورأيت تسابق منظمات المجتمع المدني لتقديم العون أثناء ما يسمى بـ “أزمة اللاجئين” شعرت بأنه هناك دائمًا جانبًا رائعًا في المجتمعات يظهر في مثل هذه الأوقات. وما جعل هذه المساهمات الخيرية جيدة آنذاك هو أنها كانت بمثابة حل عاجل لمشكلة مؤقتة او طارئة ناتجة عن أزمة غير هيكلية وغير متأصلة في البنية الاقتصادية والاجتماعية في البلد بينما تحاول الحكومة بالفعل إيجاد حلول لها، فاللاجئين لا يأتون إلى برلين بكل هذه الأعداد كل يوم، هو أمر طارئ نتيجة لمشاكل أخرى على المستوى الدولي والإقليمي الشرق أوسطي لا مجال للتطرق لها هنا. إلى هذا الحد تبدو الأمور في إطار سياقها الخيري الإنساني، فمنظمات المجتمع المدني التي أنشئت لأسباب خيرية بحتة نهضت بشكل عفوي للمساعدة في مشكلة طارئة.

العمل الخيري كمؤشر للتفاوت الاجتماعي

تبدأ إشكالية العمل الخيري في حالتين: الأولى عندما يحاول التصدي لمشكلات هيكلية في المجتمع، والثانية عندما يكون بمثابة عمليات تجميل لتشوهات النظم الرأسمالية القائمة. فعندما يحاول العمل الخيري تلبية احتياجات المواطنين اليومية والأساسية ويتخذ شكل يوحي بالاستمرارية فهذا ينبئ بتغييرما إلى الأسوأ فيما يتعلق بمستوى معيشة من يقدم لهم العمل الخيري، عندما تبدأ أسر كاملة تعتمد في سد بعض احتياجاتها بشكل كامل على المساعدات الخيرية فهذا يعني أنه هناك نوع من أنواع التمايز الطبقي الحاد يبدأ في الظهور، منذرًا بوجود طبقة اجتماعية قد لا تستطيع الوفاء باحتياجات أبنائها في غضون سنوات قليلة، مما يعد مؤشرًا واضحًا على التفاوت في الدخول وعدم عدالة توزيع الثروات في المجتمع.

تجميل الوجه القبيح للنيوليبرالية

لا عجب أن ظاهرة الثراء الفاحش والسريع، والتي تعد أحد إفرازات العولمة الرأسمالية، تسير بالتوازي مع العمل الخيري، فكلما تركزت الثروات في أيدي قلة من الناس كلما ازداد التفاوت في الدخول وكلما ازداد التمايز الطبقي، وهو ما حدث نتيجة السياسات النيوليبرالية التي أدت إلى تراجع مستويات الدعم الحكومي ونظام الضرائب التصاعدي خاصة فيما بعد سقوط نظام بريتون وودز، مما كان له تأثيرات سلبية كبيرة على الطبقات الوسطى في العديد من المجتمعات، وهو ما استدعى تدخل الرأسماليون من خلال منظماتهم الخيرية كمحاولة لترقيع ما طال النظام الاجتماعي والسياسي من تمزقات وكأنهم يريدون إصلاح ما أفسدوه هم على شكل إحسان وصدقات مقدمة للناس، وبالتالي حماية النظام السياسي والاقتصادي القائم الذي يسمح لعدد صغير فقط من الناس بالاستحواذ على كل هذه الثروات.

تهميش الدولة

يساهم بذلك العمل الخيري في شرعنة الرأسمالية وتوسيع نطاقها واستبدال دور الدولة بالمنظمات الخيرية في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فمبادئ العمل الخيري تستند إلى الادعاء بأن الآليات الرأسمالية متفوقة على ما عداها خاصة الدولة، لجذب الانتباه بعيدًا تمامًا عن أوجه القصور في السياسات الرأسمالية. فتنتقل مسؤولية تلبية احتياجات المواطنين، من المؤسسات الديمقراطية إلى الأغنياء الذين يكتسبون المكانة والبريستيج وتخفيض الضرائب من وراء ذلك، خاصة وأن الكثير من المنظمات الخيرية الكبرى هي شركات ذات مسؤولية محدودة تدار وفقًا لآليات السوق وحسابات التكلفة والربح، هذا الوضع القانوني يمنحها الحق للاستثمار في شركات أخرى ناهيك عن تقديم الدعم والتبرعات السياسية.

عدم تكافؤ الفرص

بالتأكيد مشهد التبرع بالحقائب المدرسية لا يحتمل كل هذا الخوف، لكنه قد يكون البداية للاعتماد على الحلول التجميلية لآثار النيوليبرالية خاصة مع تزايد المطالب السياسية بإلغاء الدعم الحكومي. قد يقول بعض أنصار فكرة “العيب فينا وليس بالنظام”: يجب على الجميع أن يجتهد ويعمل كي يصل إلى ما لدى الأغنياء، أقول الأمر متعلق بالعدالة في توزيع الموارد فما هو متاح للأغنياء من فرص وجودة تعليم ونمط حياة غير متاح للجميع، كما أنه حتى وبفرض وجود ذلك، يجب على الدولة التدخل بالقدر الذي لا يجعل التباين والتمايز الطبقي ملموسًا في المجال العام فأنا لا أقول بأن ترسلهم الدولة إلى جنوب أفريقيا في العطلات.

أي مواطن يعيش في أي بلد ويلتزم بقوانينها ويعمل (حال قدرته على العمل) ويدفع الضرائب ويلتزم بالعقد الاجتماعي المبرم بينه وبين الدولة ويترك لها الاحتكار القانوني لأدوات الإكراه المادي، من حقه ألا يرى أبنائه يذهبون إلى المدرسة بحقائب تميزهم عن زملائهم من الأسر الأغنى، وتذكرهم بأنهم موضع إحسان وصدقات الآخرين.

أمل برلين – أسماء يوسف

Photo: pixabay – Niek Verlaan