وجهة نظر

السيسي في برلين.. هل تحتاج ميركل لـ “خاشقجي” مصري؟

الإثنين 29 أكتوبر 2018

في أجواء هوليودية، طالعتنا الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي بعبارات الانبهار برد فعل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على الملك سلمان وابنه إثر مقتل الصحفي جمال خاشقجي، فالمرأة القوية التي لا يكسر لها جانب، اهتزت مشاعرها جراء الجريمة البشعة ضد خاشقجي وقررت وقف تصدير الأسلحة للمملكة العربية السعودية لأن الصحفي نشر بمنشار في قنصلية الدولة المعنية، أليس الأمر مضحكًا حد الحزن؟ إن السيدة القوية لم تكن لتوقف تصدير الأسلحة التي تقتل السعودية بها مئات اليمنيين لدرجة أن رؤية صورة واحدة لما يحدث في اليمن كان يمكنها أن تحرم العالم من النوم جراء شعوره بالخزي والعار، في حال كانت المشاعر الإنسانية هي ما يحركنا. لكن بالطبع لا، فليُقتَل أبناء اليمن، لن تهتز ألمانيا ولن تغضب ميركل، كيف ذلك وهي إحدى الدول المصدرة للسلاح؟ لن يغضب وزير الخارجية الألماني طالما أن شركات السلاح مازالت تعمل، ومادامت التدفقات المالية السعودية تساهم في رفع الميزان التجاري الألماني.

زيارة السيسي التي كانت مثيرة للجدل

منذ ثلاث سنوات وتحديدًا في يوم 2 يونيو وفي مقابلة مع بعض الساسة الألمان في البوندستاج، أذكر جيدًا رد فعل رئيس البرلمان وقتها نوربرت لامرت عندما هاجمته سيدات مصريات مؤيدات للسيسي لأنه رفض استقباله فقال وبصراحة شديدة “أنا لست رئيس ألمانيا فلماذا سأقابل رئيس مصر؟ كما أن المستشارة والرئيس الاتحادي سيقابلانه. ولكن الأهم أنه كان لديكم رئيس برلمان وكان اسمه دكتور الكتاتني وهو مسجون الآن بعد انقلاب عسكري أطاح برئيس منتخب، لو كان لديكم برلمان لكنت استقبلته رئيس البرلمان المصري”. مما أثار حفيظة النساء وسيطرت على القاعة حالة من اللغط، قبلها بقليل كان لقاء مع عضوة حزب الخضر فرانشيسكا برانتر والتي أكدت على قلق ألمانيا الشديد بسبب حالة حقوق الإنسان في مصر، كما أعربت عن أن الزيارة المثيرة للجدل تسببت في نقاشات حادة داخل الأحزاب وقالت بأنهم اضطروا إلى اللجوء إلى التصويت داخل الحزب على استقبال السيسي، ثم انتقدت وبشدة تأجيل السيسي للانتخابات البرلمانية وقتها مماد دفع السيدات بالرد بأنه “السيسي حبيبنا ولا نحتاج لبرلمان في وجوده” مما دعا فرانسيسكا لترك الجلسة فجأة وبدون إنهاء الحديث. جدل مشابه شهدته الخارجية الألمانية في نفس اليوم مع بعض مسئولي الشرق الأدنى والمغرب العربي وتعبيرهم أيضًا عن قلقهم البالغ بسبب الأوضاع الإنسانية في مصر.

السيسي ومحمد بن سلمان والمصالح الألمانية!

أذكر جيدًا في هذا الوقت غضبي الشديد من إجابات بعض الساسة عندما قمت بسؤالهم: إذا كنتم قلقين من الوضع الإنساني في مصر، فلماذا تستقبلونه وتشرعنون جنونه وعنفه؟ وكانت الإجابة كما هو متوقع: “نحن نؤمن بالتفاوض وممارسة بعض الضغوط لتحسين الأوضاع”، لكن هذه لم تكن حقيقة الأمور، الحقيقة كانت تكمن في “المصلحة الألمانية” حيث كانت شركة سيمنز تحتاج لإبرام تعاقد وصف بـ “الأكبر في تاريخ الشركة” وقتها، فكانت ثمانية مليارات يورو تنقذ الشركة هي ثمن صورة يلتقطها السيسي مع ميركل وهي ثمن السكوت عما تشهده شابات وشباب مصر من المعارضة من أهوال تحت حكم السيسي. ولكن وعلى الرغم من فجاجة الموقف إلا أنه على الأقل كانت الزيارة “مثيرة للجدل”، وكان من بين الأحزاب السياسية ما أجبر البقية على التظاهر “على أقل تقدير” بمحاولة الانتصار للمبادئ الإنسانية والذي كان يمكن من شأنه أن يؤثر على المصلحة الألمانية وقتها لو تم رفض زيارته، وكان هناك رئيس للبرلمان الألماني يدعى لامرت يحاول الحفاظ على الحدود الدنيا من اتساقه مع مبادئه. أما الآن فالزيارة ليست مثيرة للجدل، ولم نسمع أي من الأحزاب شهدت نقاشًا داخليًا بسبب الزيارة، ومن المتوقع أن يقابله رئيس البرلمان والمستشارة والرئيس الاتحادي ووزير الداخلية ووزير الخارجية ووزير النقل ووزير الاقتصاد والطاقة والتعاون الاقتصادي والانمائي، لم يبقى سوى منظف المداخن schornsteinfeger وقزم الحديقة gartenzwerg ليعلنوا ترحيبهم بالسيسي ليحتفلوا جميعًا بزيارة الديكتاتور المصري.

هل تنتظر ميركل الخاشقجي المصري

لطالما أشيع مبدأ العزلة وعدم التدخل كمبدأ أساسي من مبادئ السياسة الخارجية الألمانية، واعتمادها على soft power لتنفيذ سياستها الخارجية، لكن ما يحدث أن القوة الناعمة لإحدى ديمقراطيات أوروبا تدعم الديكتاتوريات حول العالم وفقًا لما تمليه المصلحة القومية الألمانية بعيدًا عن شعارات حقوق الإنسان، وذلك حتى إشعار آخر يتضمن مساسًا بالمصلحة الألمانية، ساعتها سيتم إخراج ملف حقوق الإنسان من الدرج وإشهاره في وجه السيسي كما أشهر ملف تصدير السلاح في وجه بن سلمان.

بعد ثلاث سنوات من حادثة الزيارة الأولى، الآن السؤال موجه لميركل ورئيس البرلمان ووزير الخارجة وقزم الحديقة: هل أتت تفاوضكم ومحادثاتكم مع السيسي ثمارها في تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر؟ هل تم إلغاء عقوبة الإعدام في مصر؟ ألم تتحرك مشاعركم الإنسانية تجاه الآلاف من الشباب المصريين الذين تتسرب أعمارهم وأحلامهم خلف قضبان السيسي؟ أم تنتظرون خروج خاشقجي مصري من إحدى سفارات مصر، منشورًا في حقائب سوداء حتى نرى موقفًا إنسانيًا؟

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين

أسماء يوسف | أمل برلين
Photo: wikimedia.org