وجهة نظر

الخضر قادم بقوة بعد جفاف بيئي وسياسي في ألمانيا

الأربعاء 31 أكتوبر 2018

عاشت ألمانيا صيفاً حاراً على غير العادة، الأمر الذي ترك أثره السلبي على الطبيعة والبيئة في البلاد، ووصل تأثيره إلى الملاحة النهرية بسبب نقص منسوب المياه في عدة أنهار ألمانية. هذه المشاكل البيئية بالإضافة إلى مشاكل أخرى يسعى العالم كله لحلّها كالاحتباس الحراري، واستخدام الفحم لانتاج الطاقة، هذا كلّه يعتبر المجال الحيوي إذا صحت العبارة لأحد أهم الأحزاب الألمانية وهو حزب الخضر، حيث كان حزب الخضر ظاهرة في تاريخ الأحزاب السياسية الألمانية، وأعطى انطباعاً واضحاً عن التحولات في بنية المجتمع الألماني، وذلك حين تحول حزب الخضر من دور الرافض للمؤسسة السياسية الألمانية إلى عضو فعال ومهم فيها.

شكل الجفاف الذي لحق بالبلاد طوق النجاة لحزب الخضر الذي تأسس بمدينة كارلسروه في جنوب ألمانيا عام 1980 كما يرى البعض، فقد عايشت ألمانيا بعد 2015 سنوات يصفها البعض بـ “سنوات جفاف سياسي” على الصعيد الداخلي أقصد، وذلك بعد أن انتهجت حكومة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل CDU سياسية الأبواب المفتوحة لاستقبال اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما أدى لصعود اليمين المتطرف، وشيوع مفردات سياسية متطرفة، أرخى بظلاله على الانتخابات الألمانية لعام 2017، ودخول حزب البديل من أجل ألمانيا كثاني أكبر حزب في البرلمان الألماني بعدد الأعضاء، وتأخر تشكيل الحكومة بقيادة ميركل لعدة أشهر..

الناخب الألماني وجد نفسه أمام برلمان يحوي يمينيين متطرفين ومعادين للأجانب والمهاجرين، وبدء الحديث عن تصاعد خطاب الكراهية في ألمانيا، في ضوء البربوغاندا الإعلامية التي يقودها المتطرفون، يساعدهم بذلك بعض الأحيان الإعلام الألماني من خلال التركيز على اللاجئين ومشاكلهم وجرائم البعض منهم، لكن لماذا الإعلام الألماني؟ لأنه يُسهم بشكل كبير في تكوين الرأي العام، مما شكّل تحدّياً أمام الأحزاب الألمانية، وبالأخص في ضوء استطلاعات رأي تظهر إزدياد شعبية البديل من أجل ألمانيا على حساب أحزاب سياسية تقليدية وفاعلة كــ CDU ،CSU SPD واليسار الألماني، فوجدت الأحزاب السياسية نفسها أمام مرحلة يجب أن تسعى لكسب الناخب الألماني.

الناخب الألماني وجد نفسه المسؤول الوحيد عن الحفاظ على القيم الألمانية التي اكتسبها نتيجة التجارب المريرة التي مرّبها عبر التاريخ الحديث، فخرج إلى الشارع بعدة مظاهرات مناهضة لخطاب كراهية الأجانب والمهاجرين، كان آخرها في برلين والتي شارك فيها بحسب منظمي المظاهرة ما يقارب ربع مليون شخص، لكن الفاعلين في السياسة الألمانية لم يلحقوا بركب الشارع الألماني.

وفي أول انتخابات محلية بعد الانتخابات الاتحادية جاءت انتخابات ولاية نيدرساكسن تشرين الأول/ اكتوبر 2017 لتعيد بعض الأمل بنتائج وصفها البعض أنها طبيعية، وفي هذا العام 2018 وبالانتخابات المحلية لولاية بافاريا معقل حزب CSU ازدادت رقعة الأمل في الخروج من الجفاف السياسي بعودة حزب الخضر إلى الساحة السياسية، وذلك من خلال مضاعفة الأصوات التي حصلوا عليها، معظم هذه الأصوات جاء من الأحزاب التقليدية كالاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي. مما جعل الخضر منافساً قوياً أمام هذه الأحزاب، في حين ساد تخوف من أن تكون الأصوات التي خسرها الحزبين الكبيرين لصالح البديل، الأمر الذي ستكون عواقبه كبيرة على المستوى المحلي في ولاية بافاريا وعلى المستوى الاتحادي.

أما الضربة الثانية أو الزلازل الثاني الذي تعرضت له هذه الأحزاب فكانت انتخابات ولاية هيسن منذ أسبوع تقريباً. وعلى الرغم من بقاء الأحزاب التقليدية في الصدارة إلا أن الخضر حضر وبقوة حيث حصد 19,5% من الأصوات. هذه الانتخابات تركت أثراً بالغاً على  الساحة السياسية الألمانية، حيث أدت إلى تخلي المستشارة الألمانية عن الترشح لرئاسة الحزب، وتخليها عن أي منصب سياسي بعد نهاية ولايتها الشرعية في 2021.

لكن البعض يرى أن ما حققه حزب الخضر هو عبارة عن فقاعة، مدللاً على ذلك بفوزه في الولايات الغربية فقط، وكذلك بالظرف البيئي الذي تعيشه البلاد، بينما البعض الآخر وأنا منهم متفائل جداً بكون الأصوات لم تذهب إلى الحزب البديل من أجل ألمانيا، بل ذهبت إلى حزب مناصر للمهاجرين وقضاياهم.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي منصة أمل برلين.

خالد العبود | أمل برلين
Photo: EPD – Guido Schiefer