وجهة نظر

اختلفت الأعلام وبقي المفهوم.. عقود من الوطنية المبتذلة!

الإثنين 4 يونيو 2018

من منا لم يحمل علم مصر أثناء الثورة وبعدها؟ ومن منا لم يردد هتافات العزة المصرية وتفوق العنصر المصري ضمن الهتافات المطالبة بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية؟ لم أظن يومًا أنني سأندم على حملي للعلم إلا بعد أن شاهدت تظاهرات حزب البديل اليميني المتطرف في ألمانيا، وعندما قالت لي زميلتي الألمانية تعليقًا على حملهم الأعلام بهذه الأعداد: “شعرت أنهم يسرقون بلدي مني”.

ظلت صورة تظاهرات حزب البديل جاثمة على صدري لعدة أيام، فاتحة سيل من التساؤلات حول الحضور الثقيل لماضِ لم نعشه، وكانت أكثر هذه الصور إخافة لي هي التلويح بآلاف الأعلام الألمانية أثناء التظاهرة، مع كل اللافتات والتصريحات الرافضة للآخر ولغير الألمان، حملت صورة الأعلام الملوح بها في الهواء رسالة ذكرتني بواقع أحاول تجاهله، مفاده أن العالم مقسم ومنقسم وبشدة، واقع أنه دائمًا هناك “نحن” و”هم” و”أنتم”، واقع يعيدك إلى عصر النعرات القومية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر والتي لم تغب عن المشهد وصولًا للحقبة النازية الهتلرية في نهاية النصف الأول من القرن الماضي، تلك الحقبة التي أصل لها جوزيف آرثر جوبينيو وجوزيف إرنست رينو.

لم يكن المشهد كله ظلاميًا فقد جاءت التظاهرات المضادة لحزب البديل حاملة بعض الطمأنة، ليس فقط بسبب أعدادهم التي فاقت أعداد مناصري حزب البديل، ولكن أيضًا لم يحمل أيًا منهم سوى لافتات بشعارات إنسانية تؤكد على أن العالم مازال به ما يستحق النضال.

لم يمر يومان على تظاهرات البديل حتى أسعدني خبر قيام بعض الأشقاء السوريين من العاملين بالمصانع والورش في مصر بتنظيم إضرابات مطالبة بالحدود الدنيا من حقوقهم كعاملين، شعرت بأنه ربما أصبح العالم يتسع للجميع مما جعل العمال يفهمون بأنهم لديهم حقوق مغتصبة وعليهم المطالبة بها، بل والأكثر أهمية أنهم بدأوا يشعرون بسقوط حائط الوطنية القميء وبأنها بلادهم، لم تكتمل سعادتي وفوجئت بقيام إحدى المصريات بكتابة منشور على فيسبوك تخبرنا فيه باستنكارها ما حدث معلقة بجملة مغرقة في العفن الوطني تقول: “البيت بيت أبونا والغرب بيتحدونا”.. جدير بالذكر أن كاتبة الجملة لا تخجل أن تقدم نفسها على أنها مدافعة عن حقوق الإنسان!.

رحت أفكر فيما قد يكون سببًا بكل ذلك، ما الذي يدفع مجموعة من الأفراد للتلويح بأعلام في إعلان منهم لاحتكار الشعور الوطني لأنفسهم ونفيه عن بقية من يشاركونهم العيش في نفس البلد ويحملون جنسيته، بل وفي إشارة إلى عدم قبول من لم ينحدروا من نفس عرقهم، وما الذي يجعل امرأة تعيش في بلد تبدأ منها نهاية العالم بسبب القهر والظلم، على أن تستنكر مطالبة مجموعة من البشر بحقوقهم؟.

لم أجد توصيفًا لهذه الحالة أفضل مما أسماه ميشائيل بيليج بـ “الوطنية المبتذلة”، في كتابه الذي أثار جدلًا كبيرًا، وبغض النظر عن تحفظي على آراء بيليج حول الحركات الانفصالية، لكنه أصاب كبد الحقيقة عندما وصف الوطنية المبتذلة باستدعاء كل ما من شأنه التأكيد على أننا نعيش في عالم مقسم إلى دول، ومن ثم تعميق مفهوم انقسام الناس إلى “نحن” و”هم”، لا يولد هذا الشعور بين ليلة وضحاها ولكن يكمن بمظاهر عدة، فكما يقول بيليج لا تتأصل الوطنية المبتذلة في التلويح بشغف بعلم الدولة، ولكنها تبدأ مع هذا العلم غير المرئي على مباني المؤسسات العامة للدولة، يبدأ الأمر في مؤسسات الدولة وعلى رأسها المدارس، والتلويح بالأعلام في السياقات اليومية، والأغاني الوطنية، بل ويذهب بيليج إلى دور الصحافة في ذلك عندما يتم تمييز الأخبار بين محلية ودولية، أو عندما تذكر الأخبار كلمة “حكومة” وكأنها تزرع في ذهن القارئ أنه لا حكومة سوى حكومة الدولة التي يعيش فيها.

بدأ الأمر في ألمانيا عندما تحدث إرنست رينو عن تفوق العرق الآري، وفي مصر مع شوفينية مصرية ترجع جذورها لتفتت القومية العربية إلى قومية مصرية وشامية وغيرها والتي عدت من مخلفات انهيار المشروع القومي العربي الذي كان هو نفسه بمثابة رد فعل على إذلال المحتَل الأوروبي والتركي للعرب.

خرج المحتل وترك لنا إرثًا عفنًا من الشوفينية المصرية تعلو وتخفت مع سياقات الأحداث مثل الانتصارات الكروية حتى وصلت لذروتها في أيام الثورة المصرية وما تلاها من فعاليات حتى انتصار الثورة المضادة، وبالطبع كان العلم المصري حاضرًا كأقوى مظاهر الابتذال الوطني، وبعد أن انقسم المشهد السياسي إبان الثورة إلى ثوريين لا يرفعون سوى علم مصر لنفي تهم النظام السابق وذيوله لهم بالعمالة للخارج، وإلى إخوان مسلمين يتلحفون علم مصر لنفي تهمة تقديم الشريعة على الوطن خاصة بعدالإنقلاب، وإلى فلول (شبيحة مبارك والسيسي من بعده) يرقصون بعلم مصر مزايدين على الطرفين السابقين، وصولًا لأعلى صور الابتذال الوطني في الثورة المضادة خاصة تظاهرات 30 يونيو. ناهيك عن الهتافات من على شاكلة “إرفع راسك فوق أنت مصري” والأساطير التي تحكى عن ذكاء الطفل المصري في مبالغة تستمر حتى الإعلان عن تفوق الإنسان المصري، وبأن مصر “أم الدنيا” و”أول نور في الدنيا” ورؤساء العالم الذين أرادوا تدريس التجربة الشبابية المصرية في مدارسهم. تاريخ طويل من الابتذال جعلني لا أستغرب كلمات كاتبة المنشور وقيامها بعمل هاشتاج لكلمة “اللاجئين السوريين”.

لأجل هذا وذاك لن أحمل علمًا مصريًا في الثورة المصرية القادمة، لم أعتد ترديد الهتافات بكل أنواعها، لكن في المرة القادمة سأدعو الهتيفة أن يهتفوا فقط للإنسان وكرامته، سأحمل لافتة عليها شعار “العالم كله وطنًا لكل البشر”.

  • المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
    أسماء يوسف | أمل برلين
    Photo: Norbert Neetz – epd