كل عام يأتي ديسمبر كالعادة، في طقس بارد وأمطار غزيرة وسماء ذات غيوم رصاصية، وشمس تطل للحظات في خجل وتختفي سريعاً خلف أول سحابة. وتمر الأسابيع الثلاثة الأولى منه سريعاً في أجواء احتفالية منذ الضحى إلى ما بعد العشاء، حيث تنتصب أسواق عيد الميلاد وما تمنحه للزوار من أكلات ألمانية، وأيضاً أكلات جديدة من سوريا وتركيا وكوردستان، بدأت تدخل إلى أسواق الميلاد.
حيث لا تتفاجأ إن وجدت كشكاً خشبياً داخل السوق يلصق على قائمة شطائره وحلوياته كلمة «حلال»، مما يعطيك انطباعاً أولياً أن أسواق الكرسمس السنوية قد تشهد مشاركة غذائية من شريحة الوافدين الجدد إلى ألمانيا.
ومع نهاية أسواق عيد الميلاد تأتي عطلة المدارس، ليخرج معظم الألمان وبعض الميسورين من الجاليات الأخرى في إجازات خارج ألمانيا، طلباً للاستكشاف وللدفء، وأيضاً للتزحلق على الجليد.
ووسط هذا البرد الديسمبري القارص، ثمة أشياء دافئة تصلك عبر البريد، وهي هدايا عيد الميلاد، لتبعث الدفء في قلبك قبل جسدك. ومعظم الهدايا تصلك من عائلات ألمانية صديقة: ملابس، ألعاب أطفال، كتب، إكسسوارات، أقلام، عطور، كروت شراء من الأسواق الكبرى بقيمة مالية، سماعات هاتف، قلائد، حقيبة يد، محفظة. بالطبع لا يرسلون لك زجاجة خمر كهدية احتراماً لدينك وعقيدتك، رغم أنك أحياناً تحتسي بعض الشراب في المناسبات وتقوم ببعض السيئات الشيطانية الأخرى التي سيغفرها الله، فيما عدا الخطين الأحمرين بالنسبة لليبيين، وهما أكل لحم الخنزير أو الإفطار في شهر رمضان.
وبالطبع تحرص أن لا تفتح علب الهدايا إلا في الموعد المحدد، إن فعلت قبلها سيغضب منك بابا نويل كثيراً، فلا بد من الالتزام بالوقت المحدد حيث تكون كل العائلة مجتمعة لتتبادل معهم التهاني بأعياد الميلاد، رغم أن دينك إسلامي لا يحبذ فقهاؤه الاحتفال بأعياد الميلاد كونها عادة مسيحية وربما وثنية.
ولكن على أرض الواقع، كل العالم الإسلامي يحتفل بأعياد رأس السنة، وخاصة يوم 31 من ديسمبر، حيث تُنظّم السهرات العلنية والسرية وتقام الاحتفالات الغنائية التي يحييها المطربون والمطربات والراقصات في الفنادق والمنتجعات بسعر تذكرة غالٍ ليس في متناول الجميع. وبالطبع يكون هناك خمور ومغيبات أخرى يتغاضى الأمن عنها بسبب ليلة رأس السنة هذه.
وبعد فتح الهدايا وإرسال القبلات والشكر وإيقونات القلوب عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى القوم الطيبين الذين أرسلوا الهدايا، يحتفظ كل صاحب هدية في البيت بهديته في غرفته، بغض النظر إن كانت أعجبته أم لا. فالهدية في الأساس قيمتها ليست في ثمنها أو شكلها أو جودتها أو حاجتنا إليها، ولكن في رسالتها الإنسانية النبيلة وفي قلب من تذكرك في هذه الغربة وأرسلها لك دون أن تلمح له أو تطلب منه ذلك.
شيء مبهج يفرح القلب ويجعله دافئاً. ونحن كعرب وافدين إلى ألمانيا، هذه الهدايا تؤثر في مشاعرنا، بل تظل ضمن تاريخ مشاعرنا الذي لا يُنسى. ولا نشعر أن هذه الهدية دين علينا ينبغي أن نرده إلى من أرسلها عبر هدية أفضل وأثمن.
قد نرسل له كلمة شكر فقط، أو نرسل له كرت معايدة من سوق اليورو وسيفرح به ويحتفظ به في مكتبته طوال العمر. لكن لدينا طرق أخرى نعبر بها عن مشاعرنا نحو من أرسل لنا هدية. ندعوه مثلاً في شهر رمضان الكريم ليشاركنا وجبة الإفطار المميزة، ويتناول معنا الأكلات الليبية التقليدية الشهية التي سيشيد بها وستظل في ذاكرة مذاقه.
قد نقدم له هدية عبارة عن قهوة أو شاي أو قديد أو سحلب أتانا من أرض الوطن ونعلمه طريقة تحضيره. قد نقدم له لوحة تشكيلية رسمها أحد أطفالنا، ورغم أنها لم تُرسم بطريقة احترافية، لكنه سيقدر ذلك وسيعتز بها، وقد نجدها على جدار بيته أو تحت زجاج مكتبه حين نزوره.
وحقيقة لدى الوافدين العرب رغبة في تقديم الهدايا للألمان، لكنهم لا يعرفون ماذا يقدمون إليهم بالضبط، فكل شيء متوفر في الأسواق، ولن يكون مفاجأة إن أهديته لصديق أو صديقة. وعليك أن تبذل جهداً كي تجد هدية مميزة تجعل من يفتح علبتها يبتسم حين يراها.
ومن هنا علينا أن نبحث عن شيء معبر عن بيئتنا ووطننا وتراثنا. علينا أن نستعد لذلك باكراً قبل أعياد الميلاد، نجلبه عبر البريد أو عبر صديق يذهب لزيارة الوطن. نحب أن تكون هديتنا دافئة كوطننا وكقلبنا. الألماني يهدينا هدية ألمانية، ونحن نهديه هدية عربية.
الهدايا أيضاً ينبغي عليها أن تندمج كاندماجنا داخل المجتمع الألماني، ولكن الهدايا هنا مقتصرة بين الألمان والعرب، فلا تأتينا أي هدايا من عرب، ونحن أيضاً لا نرسل هدايا بمناسبة أعياد الميلاد إلى عرب، ولا أدري ما السبب.
ثقافة الهدية غير متجذرة بشكل جيد في الوطن العربي، وتقتصر الهدايا فقط على حفلات الزواج أو أسبوع المواليد أو النجاح في المدرسة. وعليك بالطبع أن ترد الهدية بأفضل منها، فمثلاً إن وصلتك عشرة دنانير هدية، ينبغي أن ترد إلى من أهداها عشرين أو خمسة عشر. إن رددت عشرة أو خمسة ستتعرض للنميمة وستُتهم بالبخل أيضاً.
أو هدايا تُمنح للصغار في يومي عيد الفطر والأضحى، وهي مبلغ مالي صغير يسمى «عيدية». أو في عيد ميلاد شخص من الأسرة تطفئ معه الشموع وتأكل معه التورتة وتعطيه هدية. لكن بمناسبة السنة الهجرية، وهي مثل السنة الميلادية لدى المسيحيين، لا تتوقع أن يصلك كرت معايدة أو هدية.
وهنا في ألمانيا أرسلت لصديق عربي عبر الواتس آب تهنئة بقدوم العام الجديد، فتعرضت لتوبيخ منه وأن هذا العيد لا يخصنا ولا ينبغي أن نتبادل فيه التهاني. وبعدها أرسلت له تهنئة بالسنة الهجرية فلم يرد إطلاقاً، ومن هنا حذفته.
ولا أدري لماذا لا يتقبل الإنسان التهنئة والأمنيات له بالسعادة والخير بعيداً عن أي شكليات. فتبادل التهاني والهدايا بين البشر فعل إنساني يريح القلب، يشعرك بأن هناك في هذا الوجود أناساً يحبونك أكثر مما تحبهم أنت، أناساً يمكنك الاعتماد عليهم وقت الحاجة، أناساً لديهم نزعة إنسانية نبيلة تمنحك مشاعرها الدافئة عبر هدية أو كلمة طيبة أو ابتسامة أو حتى تحية بسيطة لا تكلف الإنسان سنتاً واحداً.
والآن حينما نعود إلى وطننا، كيف ستصلنا الهدايا؟ كيف سنفتح العلب في كل ديسمبر؟ هل سنكون مجتمعاً جديداً في وطننا للعائدين من الغرب إلى الوطن؟ هل ستنتقل العادات الإنسانية النبيلة التي اكتسبناها هنا في مجال الهدايا إلينا هناك؟
وإن فعلنا ذلك، هل سيتم اتهامنا من قبل المتدينين بإحياء عادات مسيحية ووثنية دخيلة عن المجتمع، فيقتحم علينا رجال الأمن مكان احتفالنا السنوي ويزجوا بنا في السجن بعد التوبيخ والصفع؟
هل سنتخلى عن هذا الدفء الإنساني السنوي ببساطة ونندمج مجدداً في مجتمعنا القديم؟ أم سنركب البحر من جديد إلى أوروبا؟
وحينما يسألنا موظف الهجرة والأجانب: لماذا عدتم؟ أليست بلادكم آمنة الآن؟ سنجيبه: نعم آمنة شكلاً، لكن مضموناً لا. وحينما يسأل: كيف؟ نقول له: لا يوجد أعياد ميلاد، لا يوجد هدايا، لا توجد مشاعر، لا يوجد دفء.
الثلج هنا دافئ، والشمس هناك جليد.
محمد الأصفر- روائي ليبي مقيم في بون

