يبدو أن المشهد الأمني الداخلي لألمانيا معقّد، ويشهد تصاعد مزيد من التهديدات من اليمين واليسار. وفقاً للتقرير السنوي لعام 2024 الذي أصدره المكتب الاتحادي لحماية الدستور في ألمانيا. إلى جانب استمرار خطر الإرهاب الإسلامي والتجسس الأجنبي.
التقرير الذي قدّمه وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت في برلين ترافق مع معركة قانونية تتعلق بحظر مجلة “كومباكت” اليمينية المتطرفة. ما يعكس توتراً متصاعداً بين حماية حرية التعبير ومكافحة التطرف.
تهديد متزايد ودعم خارجي من التطرف اليميني
رغم أن التقرير لم يبرز صراحة التطرف اليميني في مقدمته، كما فعلت وزيرة الداخلية السابقة نانسي فايسر، إلا أن الأرقام الواردة تؤكد أن هذا التيار يشكل التهديد الأكبر. إذ ارتفع عدد المتطرفين اليمينيين المحتملين إلى ما يزيد عن 50 ألف شخص. بزيادة 10 آلاف عن العام السابق، من بينهم أكثر من 15 ألفاً مستعدين لاستخدام العنف.
مجلة “كومباكت” تلعب دوراً مركزياً في المشهد اليميني المتطرف، بحسب التقرير، وهي موضوع دعوى قضائية بعد صدور قرار حكومي بحظرها. من جهة أخرى، يواصل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) الظهور كمحور للجدل السياسي. إذ يُصنَّف كحالة مشتبه بها في التطرف اليميني، مع تزايد أعداد المتطرفين في صفوفه وتلاشي الأصوات المعتدلة داخله. كما سلّط التقرير الضوء على تمويل ضخم من مانحين محليين وأجانب. يستخدم في حملات إعلامية ضد شخصيات عامة وتوجيه الرأي العام، ما يشير إلى استراتيجيات جديدة لتوسيع النفوذ اليميني.
عنف منظم وتخريب استراتيجي من التطرف اليساري
التطرف اليساري أيضاً في تصاعد، لا سيما بعد هجوم جماعة “فولكان” على برج كهربائي قرب مصنع تسلا، مما أدى إلى توقف الإنتاج وانقطاع الكهرباء. ويشير التقرير إلى أن العنف اليساري يُمارَس بـ”احترافية وتنظيم” عالٍ. ويشمل الإضرار بالبنية التحتية الحيوية، مع تقديرات بما يقارب 11 ألف شخص مستعدين لاستخدام العنف من أصل 38 ألف شخص تقريباً ضمن هذا الطيف.
يشدد التقرير على أن النجاحات الانتخابية لليمين تؤدي إلى شعور بالإحباط لدى المتطرفين اليساريين، مما قد يدفعهم إلى اعتبار الوسائل السلمية غير مجدية، ويرجح استمرار الهجمات على الشركات والمرافق الحيوية في المستقبل.
تهديد مستمر واستغلال القاصرين الإرهاب الإسلامي
في سياق الإرهاب الديني، ما يزال الخطر الإسلامي قائماً “بشكل مستمر”، خاصة بعد عدة هجمات خلال العام الماضي. المكتب يشير إلى اعتماد تنظيم “داعش” على مجرمين فرديين يتلقون التشجيع أو التوجيه عبر الإنترنت، وهو ما شهده الرأي العام في هجمات مانهايم وزولينغن.
المقلق في هذا السياق هو تزايد تورط القاصرين، حيث أُوقِف أربعة شبان تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عاماً بسبب التخطيط لهجمات على أهداف دينية. يبلغ عدد الأشخاص المرتبطين بهذا التيار ما يزيد عن 28 ألف، منهم 9540 لديهم ميول للعنف.
تهديد خارجي بأدوات حديثة في مجال التجسس والتضليل
خصص التقرير أيضاً حيّزاً متزايداً لمجال التجسس والتأثير الأجنبي، حيث اعتُبرت روسيا والصين وإيران وتركيا الجهات الفاعلة الأهم. وذكر أن مؤشرات التخريب الروسي “ارتفعت بشكل ملحوظ” في 2024. مع استخدام أدوات حديثة كالمحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي لنشر معلومات مضللة. ورغم عدم تضمين هذا المحور بشكل بارز في التقرير، إلا أن المكتب سبق أن حذّر قبيل الانتخابات الفيدرالية من محاولات التأثير الأجنبي على الرأي العام.
نزع الشرعية: جدل مستمر حول تعريفات غامضة
منذ عام 2021، يدرج المكتب فئة “نزع الشرعية عن الدولة فيما يتعلق بحماية الدستور”. وقد أُدرج هذا التصنيف عام ٢٠٢١، وتعرض للانتقاد منذ ذلك الحين. وتشمل هذه الفئة سلوكيات تهدف لتقويض المؤسسات الديمقراطية وتجاهل سلطتها. ومع ذلك، يواجه هذا التصنيف انتقادات متزايدة بسبب احتمالية استخدامه ضد المعارضة المشروعة، وسط مخاوف من تضييق على حرية التعبير.
منصب رئيس المكتب ما زال شاغراً
في مشهد غير معتاد، لم يُقدَّم التقرير هذا العام من قبل رئيس المكتب، بل من نائبه سنان سيلين، بعد فشل رئيس المكتب السابق توماس هالدنوانغ في الترشح للبرلمان. ورغم رغبة وزيرة الداخلية السابقة في شغل المنصب بسرعة، فإن وزير الداخلية الحالي يتريث في اتخاذ القرار.
المصدر باللغة الألمانية هنا

