تصوير: سامية الأغبري
22/10/2024

ممنوع دخول شبيحة الأسد.. “رِواق” صوت وملتقى العرب في برلين!

مؤسسو رواق -بكسر الراء- يعرفونه بأنّه “مكان يساري بالمعني السياسي والاجتماعي، معادٍ للاستعمار، بيئة آمنة للفئات الصغيرة والمهمشة ، يرحب بالجميع باستثناء شبيحة الأسد، ومؤيدي الاستعمار والأنظمة الاستبدادية”.

مذ جئت إلى برلين اكتفيت بالتجول في منطقة سكني، أسير في شوارع مدينة لا تعرفني ولا أعرفها ،لا أجيد لغتها ولا تفهمني، تائهة أفتش عن ذاتي وعن وجوه تشبهني، عمّن يتحدث لغتي يشاركني همّي وقضيتي. أترقب الوجوه واختلاف الثقافات، غدت برلين مدينة (كوزموبوليتانية) لغات وثقافات وهويات وأعراق وديانات متنوعة.

ساقتني قدماي مرة أخرى إلى مقهى رواق أجلس على طاولتي وحيدة، أتأمل الصور المعلّقة على جدرانه ووجوه مرتادي المقهى نتبادل الابتسامات الصامتة، يحضرني الآن مقطع من قصيدة لدرويش “أنا هاهنا يا غريبة في الركن أجلس”.

في إحدى زوايا المقهى شباب يلعبون ورق (الكوتشينة)، تختلط أصوات الناس مع صوت ملحم بركات يصدح في أرجاء المكان: “على بابي واقف قمرين” وبالكاد يسمع.

لازلت أشعر بالغربة، لا أعرف أحداً ، يزول هذا الشعور عندما تسمعني فتاة أتحدث إلى  موظف في المقهى تبادر وتسألني: أنتِ من اليمن؟ ويخبرني شاب سوري بان نتائج حمض DNN كشفت أنه يمني ويتابع: “أنتم أصل العرب”. قلت له مازحة: عُد إلى أرض أجدادك ربما تركوا لك ثروة، يضحك ويغادر المكان.

هنا تعود بي الذكريات إلى صنعاء، الشوارع والأزقة والنقاشات في ساحات الثورة وفي مقاهي المدينة، وجوه الرفاق، وعشر سنوات من الحرب والتشرد والحنين!

غلبتني دموعي، مسحتها بمنديل حتى لا يراني أحد، رآني شاب يجلس أمامي وابتسم مواسيًا، شعرت بالخجل، وجع البلاد والحنين الذي خبأته ظهر على هيئة دمعة. ليست فقط جدران المقهى تنطق ثورة وحرية، حتى الاسم (رِواق) لم يكن اختياره عبثيًا، بل تعبير عن هوية المكان السياسية والثقافية.

يتحدث ميلاد أمين المقيم في ألمانيا منذ أربع سنوات عن سبب اختيار هذا الاسم: “رِواق من المدرسة الرواقية، مدرسة فلسفية، كانت تعتمد على تعليم تلامذتها في أروقة أثينا، وفكرتنا كانت أن رواق هي المساحة التي نتعلم فيها من بعض ونتأثر فيها ببعض مثل أروقة كثيرة عبر التاريخ كانت تجمعات للسياسيين والمثقفين والفنانين والناس العاديين”.

في المرة الأولى ذهبت إلى المقهى بصحبة أدهم ابن غزة، أخبرني أن المقهى سيعجبني. كان محق، المكان جميل، أحب مثل هذه الأمكنة، كل ما فيها يتحدث ثورة وحرية، الجدران وملابس وتسريحات الشباب ونقاشاتهم، الوشوم على أجسادهم والعبارات على قمصانهم الـ”هيبسترز” الجدد.

رواق مساحة صغيرة تكتظ فيها قصص وحكايات يرويها أصحابها، عن الثورة والهجرة والغربة، عن فلسطين ولبنان، عن المليشيات، وعن الخذلان، عن أنفسهم وحياتهم. على بابه ملصق بعلمي فلسطين والثورة السورية كتعبير عن واحدية الثورة والهدف والمصير.

صور متناثرة على الجدران بأحجام مختلفة منها صورة لتشي جيفارا وأخرى لأم كلثوم. وعلى جدران المرحاض كتبت عبارات عبر كتّابها من خلالها عن دعمهم لفلسطين. وفي الزاوية على جدار المقهى وجه أسد كتب فوقه “يلعن الـ”

يفسر ميلاد الفكرة: “وجدنا على الجدار نقش لرأس أسد، فكرنا نضيف لها يلعن ،وصارت كشعار للمقهى يوضح اصطفافنا السياسي، هذا إضافة إلى أن وجود علم الثورة منع دخول شبيحة الأسد ومؤيديه إلى المقهى”.

ما يميّز المكان أيضًا أن الكوفية الفلسطينية صارت رمزًا للحرية يرتديها كثير من الشباب والفتيات. ستجد أشياء أخرى تعبر عن توجهات الشباب، عبارة على قميص أو وشم، قلادة أو سوار.

فتاتان تجلسان على طاولة بجواري إحداهما تبدو من لهجتها مصرية، على قميصها كتبت عبارة شتم للشرطة احتجاجًا على انتهاكات الشرطة ربما في بلدها، أو وربما في برلين خصوصًا مع قمع المتظاهرين الداعمين لفلسطين! شاب على كتفه وشم صغير صورة تشي جيفارا.

يوم قتل أمين عام حزب الله (حسن نصر الله) دارت في المقهى نقاشات حادة، بالنسبة للسوريين يوم احتفال، وبالنسبة للبنانيين يوم حداد، لدرجة أن شباباً حظروا بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

يرى ميلاد أن المشكلة الأساسية هي في عدم فهم الناس إلى أي درجة السوريين تعرضوا للظلم وللقتل والتهجير والحصار والضرب بالكيماوي، ملايين المهجرين وأكثر من 700 ألف شهيد.

رواق من بيروت إلى برلين

لم يكن الأمر سهلاً أمام غياث وميلاد وعبيدة، ولم تكن طريقهم معبدة بالورود عندما قرروا تأسيس المقهى في بيروت، تقاسموا الحلم والكفاح من أجل تحقيقه ليصير رواق واقعًا عام 2016 وصوتًا سوريًا في بيروت ثم صوت كل الفئات المهمشة والمضطهدة في المجتمع اللبناني. واليوم ومنذ ثمانية أشهر صوت عربي في برلين. لاحقًا انسحب أحد المؤسسين السوريين ليحل مكانه لبناني. تشارك الرفاق السوريون المقهى كما تشاركوا الظلم والاضطهاد، والمنفى لأنهم أبناء الثورة السورية ومنخرطين فيها.

ميلاد بالأساس صحفي بدأ مسيرته كفنان تشكيلي وعندما انطلقت الثورة السورية اتجه إلى العمل الإعلامي وصناعة الأفلام الوثائقية، عمل مصوراً مع رويترز في سوريا إبّان الثورة.

يوضح ميلاد الفكرة كيف بدأت: “رواق ليس مجرد مقهى ومطعم، بل فضاء ومساحة، بدأ كفكرة في بيروت من أجل أن يكون مكانا للسوريين؛ لم يكن لدينا كسوريين أي حضور، كنا نعيش على هامش المدينة خصوصا في أوساط المجتمع المدني، كان لابد من خلق مساحة خاصة بنا، ويكون لدينا صوتا مسموع في بيروت نعبر من خلاله عن أنفسنا، ومساحة آمنة ليس فقط لنا كسوريين بل لجميع المهمشين”.

يضيف: “عندما صار لدينا حيزنا الخاص في بيروت، لم أعد اشعر أني غريب، وأني أعيش على الهامش، وصرت أمتلك قراري السياسي حتى وإن كان في هذه المساحة الصغيرة. وبعدما كنت متأثرا صرت مؤثرا ولو بشيء بسيط؛ نظمنا فعاليات ونشاطات ونقاشات السياسية وكان المتظاهرون في انتفاضة تشرين ينطلقون من رواق، كما قدمنا المساعدات يوم انفجار مرفأ بيروت”.

رواق برلين هو امتداد لفكرة رواق بيروت، ميلاد ورفاقه لا يريدون العيش على الهامش ولا تسول رضا الناس فكان عليهم خلق مساحتهم الخاصة بهم.

واجهوا تحديات أمنية ومادية في بيروت لكنهم واجهوا صعوبات أكبر في برلين، منها ما هو متعلق بتعقيدات النظام البيروقراطي، ومنها الضريبة المرتفعة.

يقول: “تأسس المقهى في وقت كانت المجتمعات العربية تتعرض للهجوم، فجأة شعر العرب أنهم غير مرحب بهم، ألمانيا أعلنت نفسها كـ (بلد عدو للفلسطينيين) وهذا شكّل شرخا بيننا وبينهم في المجتمع الألماني”.

ويتابع: “بعد ثمانية أشهر من الافتتاح نعد من المحلات الناجحة لكننا غير قادرين على الربح المادي، لأننا ندفع للموظفين بطريقة عادلة ولا نستغلهم، وليس لدينا فروق كبيرة في الرواتب؛ الفرق بين أكبر راتب وأصغر راتب اقل من 10%”.

رغم نجاحهم وتجاوز الكثير من التحديات.. إلا أنهم سيواصلون الكفاح!

إعداد وتصوير: سامية الأغبري

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.