Foto: Hamza Qabbani
11. يوليو 2022

فرحان صباغ.. سفير الموسيقى الشرقية الحمصي في ألمانيا

قبل نحو 21 سنة، التقت صحيفة الشرق الأوسط بعازف العود والإيقاع الشهير، فرحان صباغ، وتحديدًا في عددها رقم 8375 بتاريخ 2 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2001! حينها قال صباغ لمراسل الصحيفة في برلين: “هدفي أن أجعل العود آلة عالمية محبوبة كما في الشرق”. واليوم، كعازف عود وصحفي، زرت صباغ في منزله وسط العاصمة الألمانية، وشعرت لوهلة أنني أزور متحفًا للموسيقى! على جدران المنزل المتواضع، علق صباغ المنحدر من مدينة حمص، مجموعة كبيرة من صوره خلال مشواره الفني في ألمانيا ومختلف دول العالم، صورٌ تنبض بالحياة وإن اقتربت منها وأمعنت النظر، ستسمع أنغامًا عذبة، وصدى تصفيقٍ هادر..

مسيرة حافلة

تتلمذ فرحان صباغ إيقاعيًا على يد جده الذي كان يصحبه معه إلى جلساته الصوفية، وتعلم العزف على العود من والده، ثم التحق بمعهد الخيام للموسيقى في حمص، وتابع بعد ذلك في معهد الفنون المسرحية، لينضم لاحقًا إلى معهد الموسيقى العربية بالقاهرة، وتبدأ رحلته مع العزف المنفرد في اليونان، أولى محطاته الأوروبية سبعينيات القرن الماضي.

يقول صباغ: “درّست الموسيقى في مدينة حمص، لكن بعد سنتين رأيت أنه من خلال هذا العمل، لن أستطيع تطوير ذاتي، لأنني كنت مجبراً على تدريس منهاج الموسيقى المقرر من وزارة التربية والتعليم! لهذا مللت، وفتحت متجرًا لبيع الآلات الموسيقية، وكنت أقدم محاضرات في اتحاد الكتاب العرب في حمص. عندها قدموا لي العضوية وطلبوا مني إحياء حفل بمدينة دمشق خلال مهرجان للكُتاب العرب سنة 1971، والذي ضم حينها ضيوفًا من 42 دولة. بعد المهرجان دُعيت إلى اليونان ولندن لإقامة حفلات، ودُعيت لاحقًا إلى ألمانيا الغربية عام 1980 من قبل معهد علم المقارنات الموسيقية التابع لليونسكو، لأقدم دروساً بالموسيقى الشرقية التقليدية، وهنا بدأت مسيرتي في ألمانيا”.

لا أبحث عن المال أو الشهرة!

لم تكن غايته المال والشهرة! بل كان انتشار الموسيقى العربية بحد ذاتها غايته، قال صباغ وتابع: “منذ دخولي إلى ألمانيا الغربية، درّست في معهد علم المقارنات الموسيقية، حيث كان المعهد يقدم كل أنواع الموسيقى من مختلف دول العالم. وكنت المسؤول عن قسم الموسيقى العربية والإيقاع والموسيقى التقليدية. وعندما توحدت ألمانيا، أُغلق المعهد وانتقلت حينها إلى برلين وعملت كمدرس لطلاب المرحلة الثانوية من خلال بعض الدورات الموسيقية السنوية، وكنت أشرح لهم الإيقاع والموسيقى العربية”.

الموسيقى والاختلاف بين الشرق والغرب

تختلف المدرسة الموسيقية الغربية عن نظيرتها العربية، وهذا الاختلاف كان يحتاج إلى كتاب لتوضيحه بحسب صباغ، لكنه اختصره بالقول: “هناك بعض الاختلافات الواضحة، فمثلاً بالموسيقى العربية لدينا مقام العجم ومقام النهاوند، وهناك أيضاً بالموسيقى الغربية ما يقابلهما ويختلفان بالاسم فقط! وهما الماجور والمينور. وهذه هي موسيقاهم التي كانت تعتمد على الصوت الواحد قبل مجيء العازف والملحن يوهان سباستيان باخ، الذي أضاف أنصاف الأصوات! أي لكل صوت أصبح لديه نصف صوت جديد، حتى وصلوا إلى ثلاث أصوات، بالإضافة إلى الهارموني والإيقاع لديهم. أما لدينا كل صوت واحد مقسم إلى تسعة أقسام! كل قسم يطلق عليه اسم (كوما) والكوما هي جزء واحد من تسعة أصوات”.

القدود حمصية ولكن!

على غرار المعارك الكلامية بين الحماصنة والحموية حول منشأ وأصل حلاوة الجبن، تدور معارك كلامية أقل ضراوة حول صوابية نسب فن القدود إلى مدينة حلب! إذ يرى الحماصنة أن القدود انطلقت من مدينة حمص، وولدت على يد الشيخ أمين الجندي! والقد هو توزيع كلام جديد على لحن معروف سابقًا وغالبًا مستخدم بأناشيد دينية، على سبيل المثال، قد (تحت هودجها) كان أصله أنشودة (يا إمام الرُسل)!

وفي هذا السياق قال صباغ: “كلمة – قد – بالعامية العربية تعني المماثل (هذا قد هذا) أي يشابهه! لهذا أطلق عليها اسم القدود أما إذا كانت حلبية أو غيرها فهنا تأتي القصة. أغلب الكلمات الصوفية المتعلقة بالدين والعبادة تم تحويلها مثلاً: شوق المتعبد المتصوف إلى لقاء ربه تحول إلى شوق المحبوب للمحبوبة إلخ.. يجب أن أقول هذه الحقيقة، في مدينة حمص لم يكن هناك إذاعة والحماصنة بشكل عام لا يحبون الشهرة والظهور! لهذا القدود خرجت من مدينة حمص لأن الإذاعة كانت في مدينة حلب في ذلك الوقت. وأرى شخصياً أن مدينة حلب من أفضل وأهم المدن العربية التي أخلصت للموسيقى العربية التقليدية، لأن الفنان الحلبي عمل بمهنية عالية على تقديم هذه الأعمال بكل إخلاص”.

اكتساب المعرفة لا يتوقف

سنة 1948، ولد فرحان صباغ بمدينة حمص السورية، وطارد الأنغام منذ نعومة أظافره.. بين الإيقاع والأوتار، وجد نفسه سفيرًا للموسيقى العربية والشرقية ولآلة العود، يقول: “74 سنة من العلم وما زلت أبحث عن المزيد لأنه ينقصني الكثير، فرغم جهودي والأعمال التي قدمتها أبحث كل يوم عن العلم. وفي النهاية أتمنى من الموسيقيين العرب المقيمين في ألمانيا العمل على نشر موسيقى الحضارة العربية والتمسك بها وبذل الجهد المطلوب لتوضيح الموسيقى العربية لكل الشعوب، وأن يعلموا هذا العلم للأخرين”.

صور من أرشيف الفنان فرحان صباغ

previous arrow
next arrow
previous arrownext arrow
Slider