Foto: Soeren Stache/dpa
25. يونيو 2022

نزاع العشائر في ألمانيا.. ثأر وتشبيح وسط عجز حكومي!

ازداد السجال الألماني العام، كما بين أوساط مجتمعات الهجرة في ألمانيا، حول انتشار العصابات المسلّحة بشكلٍ غير مسبوق خلال الأعوام الماضية! الأمر الذي دفع بالكثير من شرائح المجتمع المختلفة عموماً، والصحف المحلية خصوصاً، للحديث عن هذا الموضوع، في محاولةٍ لسبر عوامل نشأته وتأثيره على مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

لا نريد صقلية ثانية في برلين!

مع بداية عام 2017، علت أصوات بعض الأحزاب في ألمانيا للمطالبة بتقديم كلّ الدعم الممكن للمؤسستَين الأمنية والقضائية، من أجل مواجهة الجريمة المنظمة التي تمارسها “عائلات شرق أوسطية”، مشددين على عدم رغبتهم في تحوّل برلين إلى “صقلية ثانية”! وقد أتى ذلك بناءً على التقرير الذي نشرته صحيفة “برلينر كوريير” الألمانية آنذاك، والذي تناول توسّع انتشار ما يسمى بـ “العشائر” بدءاً من ولاية شليسفيغ هولشتاين في أقصى الشمال الألماني، مروراً بولاية بريمن وولاية ساكسونيا السفلى، وصولاً إلى برلين، وتحديداً في مناطق (كوتبوساتور وفيدينغ ونويكولن).

جاءت تلك المُطالَبة بتقديم الدعم، بعد التقديرات الصادمة للقضاء والشرطة، لعدد أعضاء العصابات في برلين وحدها، والذي بلغ في ذلك الوقت نحو 10 آلاف عضو! يشمل عملهم أنواعاً إجرامية مختلفة لكسب المال وزيادة الثروة، مثل التنافس على سوق المخدّرات والتهريب، والسطو المسلح وسرقات المتاحف ومتاجر المجوهرات الثمينة، وجباية الأموال وابتزاز أصحاب المحلات والمطاعم، بالإضافة إلى إدارة شبكات الدعارة وغيرها من الممارسات المخالِفة للقانون.

لم أترك بلدي لأعيش هنا نفس التشبيح!

أبو محمود. س، رب أسرة سورية، وصل ألمانيا عام 2015، ويقيم الآن وعائلته في نويكولن، أبدى قلقه على أسرته ومستقبلهم في البلاد، قائلاً: “لم أكن أتوقع أنّ أشاهد في هذا الحي الذي اخترت العيش فيه، مزيداً من مشاهد السرقات والعنف كتلك التي هربت بسببها من بلادي، حاولت أن أنجو بأسرتي من جحيم الحرب السورية، ولكن ليس لنعيش جحيماً مشابهاً من التشبيح في قلب العاصمة الألمانية برلين، فقد رزقني الله عملاً شريفاً في مطعم أملكه في شارع زونن آليه، إلا أنني عانيت في بداية الأمر من كثرة المشككين والفضوليين والمرتزقة الذين كانوا يحاولون فرض الإتاوات وجباية الأموال مني بالقوة، وقد وصل بهم الامر إلى تحطيم سيارتي وواجهة المحل عندي! أنا مندهش فعلاً، وأخشى أن تتمكن تلك العصابات من تنفيذ أعمال تخريبية أخرى في المستقبل”.

وعود حكومية بالتغيير.. والوضع على حاله!

زبيدة سيدة فلسطينية من لبنان، والقاطنة في حي الفيدينج منذ عشرين عاماً، عبّرت عن استيائها لاستمرار “مسلسل توريث العصابات” على حد قولها وذكرت أنّها قلقة مما يحدث: “أعيش هنا منذ مدة طويلة، وقد حاولت جاهدةً بناء أسرة خالية من الهموم والمشاكل التي نراها في هذا المجتمع، وأعتقد أنني نجحت حتى الآن على الأقل، فأنا لا أحتمل فكرة تورط أبنائي المراهقين بمغريات العصابات أو في مشاكل قانونية أخرى. المشكلة أن الوضع لم يزل على حاله منذ أعوام، مع ان الحكومة وعدت بالتغيير وبإيجاد حلول جذرية! أنا أرى انه من المؤسف حقاً أن تجد نفسك في عاصمة البلد الأوروبي الأكثر تقدماً، قاطناً ضمن أجواء عصابات متناحرة ومشاكل شبه يومية”.

تعددت العشائر.. والمصير واحد!

وجيه من لبنان أيضاً قال: “أعيش بمنطقة كوتبوساتور منذ ثلاثين عاماً، وقد أمضيت عمري هنا في برلين بعد أن أصبحت أباً وجدّاً على مدى تلك السنوات الطويلة، ولا تزال تلك العشائرية التي يمارسها البعض تبجّحاً موجودة للأسف. بالواقع، أنا أكرهها لأنّها تعمل على تشويه صورتنا بشكل كبير كعرب هنا، ومع ذلك، فأنا أظنّ بأنّ بضعة مئات منهم لا يعبّرون بالضرورة عن مئات الآلاف منّا”.

يتابع: “كان من الممكن أن يكون مشهد حياتنا هنا كلاجئين عموماً وعرب خصوصاً جميلاً وإيجابياً، لكنه تحوّل للأسف إلى مشهد سيء وسلبي بسبب الجريمة المنظّمة، ومع وجود نسبة لا بأس بها ممن لا يزالون يعملون بالأسود، ويعيشون في نفس الوقت على المساعدة الاجتماعية. وفي هذا المجتمع، تختلط الجنسيات اللبنانية والفلسطينية والسورية والمصرية والعراقية، وغيرها مثل الكردية والتركية والشيشانية، وهذا ما يجعل الأمر متشعّباً أكثر”.

دور الحكومة بالحد من استغلال المهاجرين!

حاولت سلطات برلين ولم تزل منذ بداية توافد اللاجئين إلى ألمانيا وحتى الآن، الحد من استغلال المهاجرين وطالبي اللجوء على يد العصابات المنظمة، وجعلت مواجهة “العشائر” واحدة من أبرز أولوياتها الأمنية. وهذا ما دفع رئيس بلدية نويكولن، مارتن هيكل، منذ سنوات إلى القول: “لقد تجاهلنا هؤلاء الناس طوال ثلاثين عاماً، والآن نواجه تضخماً في هذه المشكلة، فهم مسلّحون بشكل جيّد وقد جمعوا ثروات ضخمة، وعلينا أن نقف في وجوههم قبل أن يقوموا بتحويل أموالهم إلى أملاك قانونية”.

كان تصريح هيكل نابعاً من صدمته مما جرى ويجري على الساحة من سلسلة عمليات قتل مستمرة، بدءاً من حادثة مقتل الشاب نضال ربيع عام 2018، ووصولاً إلى حادثة مقتل أخيه محمد في شهر أيار/ مايو من هذا العام، حيث قال: “هذا القتل أمام الناس والأطفال يعني أنّنا وصلنا إلى أدنى مستويات الوضع الهش”!

  • إعداد وتقرير: خلود فاخرة