Foto: Khalid Al Aboud
6. يونيو 2022

ثلاثة أيام وليلتان على ضفة الماين.. في مدينة المال الألمانية

استقبلتنا ثلاث إوزات على ضفة نهر الماين في فرانكفورت، مع نسمات عليلة، وجو ربيعي مشمس، من النادر أن تعيشه في ألمانيا، أو لنقل في برلينفالجنوب مختلف بكثير من التفاصيل.
فرانكفورت أم ماين، مدينة ذات هوية مختلفة عن المدن الألمانية الأخرىفناطحات السحاب والأبنية الشاهقة سبغت المدينة بصورة نيويوركية، والأبنية القديمة المحيطة بناطحات السحاب توحي للزائر برسالة مفادها أنّ الحضارة كلٌّ متكامل لا ينفصل.

زيارتنا إلى فرانكفورت برحلة عمل جاءت بعد احتفال المدينة بنادي آينتراخت فرانكفورت الذي أحرز قبل أسبوعين لقب الدوري الأوروبي بفوزه على النادي الأسكتلندي رينغرز. هذا الفوز كان له طعم مختلف؛ فقد تحقق بعد 42 عاماً، وآثار الاحتفالات بإحراز نادي المدينة لقب الدوري الأوروبي كانت بادية على المدينة الماينية إذا صحّ التعبيرحيث ترى راية النادي معلّقة على نوافذ عدة وكذلك ملصقات متوزعة على أعمدة الإنارة وإشارات المرور والجسور وتحمل عبارة أينتراخات فوق الجميع Eintracht Frankfurt über alles.

حتى الذين التقيناهم كانوا ما زالوا تحت تأثير نشوة إحراز اللقب، ويتداولون أخبارًا مفادها أن عمدة المدينة لم يحتفل بالشكل المناسب، ولم يُـبدِ فرحته بما يليق بالمناسبة. قلت بيني وبين نفسي يبدو أنه بافاريوحتماً سيترك ذلك أثراً كبيراً على مستقبله السياسي في مدينة تعشق ناديها وتجلّه.

راية فريق آينتراخت فرانكفورت معلقة على إحدى النوافذ

ملصق مكتوب عليه “أينتراخت فرانكفورت فوق الجميع”

ليس الإنجاز الرياضي هو الأمر الوحيد الذي تفتخر به فرانكفورت، بل تعتز المدينة بابنها الذي يعرفه القاصي والداني يوهان فولفغانغ فون غوته، أو أمير الشعراء الألمان كما يسميه بعضهم، صاحب فاوست، والديوان الشرقي لمؤلفه الغربي، ومناجاة محمدوالذي قال عبارته الشهيرة لا أكره أن يقال عنّي إنني مسلم“. ففي مسقط رأسه فرانفكورت أم ماين، التي شهدت ولادته في 28 آبأغسطس 1749، تجد صوره واسمه في كثير من الأماكنففي المدينة جامعة تحمل اسمه، وشارع وساحةحتى وصل الحال بمقهى فرانكفورتي يقع وسط أحد أسواقها أن يضع حلقة في أنفه، وسماعات وأقراطًـا في أذنيهلكن للأسف لم يسعفنا الوقت لزيارة منزله الذي يحتوي مكتبته ومقتنياته.

في فرانكفورت لا يقتصر التنوع الذي ينشده المجتمع الألماني الحر على كلمات في بيانات وخطط عمل فقط، بل تلحظ التنوع من خلال المطاعم المتنوعة، التي تنتشر في المدينة، فعلى طريق المطعم الذي تناولنا فيه الصلصة الخضراء مع كأس من عصير التفاح، وطبق من الجبنة مع الموسيقا وهذه هي الأكلات التقليدية في المدينة، لاحظت وجود مطعم يقدم الفول والحمص والفلافلوفي المنطقة التي تكثر فيها محلات المهاجرين ومطاعمهم، تستمتع بسيخ كباب لبناني، ثم بعدها تتناول بوظة الشرياخ الأفغانية الشهيرة في مطعم كأنه هارب من كابول ليحط على ضفة الماين.

مطعم يقدم الفول والحمص والفلافل

الصلصة الخضراء أكلة تقليدية في فرانكفورت

وفي المدينة الماينية الشهيرة، تطالعك وأنت تسير في أزقتها وشوارعها لافتات كثرة تُعبر عن التضامن مع أوكرانيا،  وأخرى تدعوك للاحترام، وبين هذه وتلك تُعلق لافتة مكتوب عليها لا مكان للعنصريةعدا عن باول كيرشه التي احتضنت أهم اجتماع أسس للديمقراطية الألمانيةولا تغيب عن عين زائر المدينة السمة التي تغلب على تماثيلها، والتي تصوّر رجالاً أشداء، ونساء عاريات. وعندما ناقشت ذلك مع زميلتي يوليا توصلنا إلى أن شيوع الذكورية في زمن نحت هذه التماثيل هو أحد الأسباب وراء ذلك.

باول كيرشه إحدى رموز الديمقراطية

وللغة العربية في شوارع فرانكفورت مكانها بين اللغات الأخرى، فعلى إحدى عوارض جسر آيسنير ستيج تقرأ عبارة مأخوذة من أوديسة هوميروس نُقلع على بحر بلون النبيذ إلى متكلمي اللغات الأخرى، وكأن المدينة تهمس في أذنك أنت لست غريبًـا هنالكن في مكان آخر، وفي محطة للترام وسط المدينة وعلى آلة لبيع التذاكر تقرأ كلمة تذاكر معكوسة، لتشعر وكأن القائمين على شركة النقل استعانوا بترجمة غوغل، حالهم حال كثير من دوائر الدولة الألمانية التي تتعامل مع المهاجرين!