Ⓒ Ahmad Kalaji
17. أبريل 2022

قصتي مع المواصلات.. من دمشق حتى ألمانيا!

كثيراً ما أستيقظ لاهثةً متعرّقةً وأتلفّت حولي كأنني أضعت شيئاً ما، يزعجني هذا الحلم المتكرّر ، أنا التي كنت أظنّ أنني حين أصل إلى هنا ستنتهي مأساتي.. لقد كنت مخطئة، يبدو أنها لعنة ستظلّ ترافقني!

في هامبورغ تلك المدينة الكبيرة حيث تتنوّع المواصلات العامة ما زلت أجري لألحق بالحافلة أو القطار وأكثر ما يثير انزعاجي هو أن أجري بكلّ سرعة حاملة حقيبتي وأقفز الدرجات في محطّة القطار بخفّة لا أمتلكها عادة وحين أصل إلى باب القطار يُغلق في وجهي معلناً أنه سيتركني وحيدة لاهثة كما في الحلم لأراقب عرباته تمدّ لسانها في وجهي ساخرة عابثة تعيد لي شريط ذكرياتٍ مليء بالشتائم التي أطلقها في كلّ مرّة تفوتني إحدى وسائل المواصلات وقصتي معها لها فصول

الفصل الأول: دمشق.. بين الدويلعة والمزّة!

عشت طفولتي ومراهقتي في مدينة صغيرة لا نعتمد فيها على المواصلات إلا نادراً، وإن احتجناها يوماً فلا مشكلة، لا وقت يحاصرنا هناك. علينا فقط أن نكون صبورين ليمتلئ السرفيس بالركاب. لكنّ النعيم الذي كنت أعيشه تغيّر حين انتقلت إلى دمشق.. لتبدأ أولى فصول مأساتي. سكنت في منطقة تسمّى الدويلعة بينما تقع المدرسة التي درّست فيها في المزّة لذلك توجّب علي أن أركب السرفيس لأصل إلى عملي.

في الصباح الباكر أخرج من البيت إلى ساحة صغيرة يتجمّع فيها الموظفون والطلاب وحين نلمح السرفيس نجري ونتدافع لنحصل على مكان لنا فيه. هذا الصراع اليومي أصبح روتيناً يومياً اعتاده الناس وأنا واحدة منهم.

وفي يوم من أيام شهر تشرين الثاني كنت كعادتي أصارع في سبيل مكان لي. تربّعت على عرشي في آخر مقعد سعيدة بانتصاري، ويبدو أن السائق لديه موعد مهم فالسرعة التي قاد بها توحي أنه متأخر وهذا كان كفيلاً بتحويل رحلتي إلى صراع من نوع آخر ومحاولتي للبقاء صامدة على المقعد دون أن أضرب سقف الحافلة برأسي أو أن أصل إلى أول الحافلة بقفزة واحدة، أذكر اليوم جيداً فقد عرفت أنني حامل بعد الرحلة الماراثونية العجيبة لتتغيّر علاقتي بالمواصلات بعدها.

الفصل الثاني:  بين تركيا وألمانيا

معاهدة السلام بيني وبين المواصلات لم تدم طويلاً وتجدّدت فصولها بقوّة أثناء رحلة لمّ الشمل مع ابنتي من غازي عينتاب إلى هامبورغ فقد كان علينا أن نتوقّف في مطار أتاتورك بإسطنبول لاستكمال إجراءات السفر التي على اللاجئين في تركيا القيام بها عند مغادرتهم الأراضي التركية.

رحلتنا إلى هامبورغ كانت مقرّرة بعد أسبوع واحد من محاولة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في تركيا عام 2016 وهذا ما تسبّب بتأخير إجراءات سفرنا فقد كان المطار وموظفوه في حالة استنفار تام وكالعادة رؤية سوريّ واحد قد تثير كثيراً من العداء.

أدّى ذلك إلى تأخّر الإجراءات وبما أن مطار أتاتورك كبير جدّاً كان عليّ أن أركض مع ابنتي ذات السنوات الثلاث وحقائبي الأربعة لمدّة نص ساعة، كنت ألهث وأبكي وأشجّع ابنتي على الاستمرار في الركض حين تخبرني بصوت مخنوق إنها تعبت.. وصلنا متأخرتين في نهاية المطاف وأقلعت الطائرة أمام أعيننا الدامعة.

الفصل الثالث:  هامبورغ جنّة المواصلات!

كنت أظنّ أن رحلة العذاب مع المواصلات ستنتهي مع وصولي إلى هامبورغ لكن ذلك بعيد المنال. لست مهملة أبداً ولن أدّعي أنني دقيقة في مواعيدي كساعة “بيغ بين” فما يحدث معي قد يصل إلى حدّ العقوبة. بعد وصولنا بفترة قصيرة قررنا زيارة أقاربنا في مدينة أخرى وركضنا كالعادة باتجاه القطار، هذه المرة استطعنا كلنا تجاوز الباب ماعدا حقيبة السفر ويد زوجي الممسكة بها مما استدعى صراخ كلّ من كان في العربة فرأف السائق بحالنا وفتح الباب لإنقاذ اليد والحقيبة معاً.

حادثة اليد والحقيبة لم تكن ولن تكون الأخيرة، فيبدو أن لعنة المواصلات العامة ستظلّ تلاحقني إلى أجل غير مسمّى!

  • نص لـ هيفاء عطفة