Foto: Mosoah.com
27. فبراير 2022

أسماؤنا من منظور آخر في ألمانيا!

لم يخطرْ ببالِنا حين وُلدَت ابنتُنا وسمّيناها “ميس” أننا سنعيش تجربة اللجوء في بلد أجنبي، فاكتفينا بما يحمله هذا الاسم من خفّةِ اللفظ وجمالِ المعنى في اللغة العربية دون أن نقوم ببحثٍ مفصّلٍ عن معانيه في اللغاتِ الأُخرى! ففي اللغة الألمانية معناه كوز الذرة، وعليه نالت حصّتها من سخرية الأطفال. لم يشكل بالنسبة لها ذلك الأمر هاجساً كبيراً، ربما لأنه يُكتَب بطريقةٍ مختلفةٍ وربما لأنها تحبّ هذا الاسم وتعرف معناه الجميل في لغتها الأم.

أسامينا.. شو تعبوا أهالينا!

وحين قرّرنا أن ننجبَ طفلاً ثانياً كان للاسم القسط الأكبر من تفكيرنا، فعلينا هذه المرة أن نفكّر ملياً في اختيارنا وبدل أن نختار بكل بساطة اسماً لصبي وآخر لفتاة كان علينا أن نبدأ مشروعاً يحتاج إلى عدّة قواميسَ بالإضافةِ إلى استشاراتٍ وأسئلةٍ وجوديةٍ عميقة.. فنحن نرغب باسمٍ عربي لكنّه يجب أن يكون خفيفاً سهلَ النطق وله بالمقابل معنىً جميلٌ ولنُضِفْ على ذلك طريقةَ نطقه باللغة الألمانية أولاً والبحثَ عن معناه ودلالاته ثانياً!

لا تستغربوا ذلك القلق والتدقيق وفكروا معنا: إن كان صبياً وأردنا أن نسميه “جاد” سيكون “ياد”! أو “وجد” فسيكون “ويد” أما اسم “ورد” فله قصّة أخرى حيث أنه سيصبح باللفظ الألماني “وغداً”! وكم سنكون أوغاداً إن اخترناه. وإن كانت بنتاً فنريد لها اسماً ليُغنّى لذلك سميناها “لين”.

بين التقليدي والحديث

أفكّر دائماً وأتساءل هل يشغلُ بالَ غيرنا من الشعوب ويستغرق وقتاً وجدالاً قد يُفضي أحياناً إلى مشاكلَ تنشأ بين الزوجين بسبب تسمية الأطفال، فأكثر الآباء مثلاً ملتزمون بواجبٍ أخلاقي يدفعهم إلى ضرورة أن يحمل الطفل الأول اسم جدّه مهما كان اسمه قديماً أو صعب النطق وهذا ما ترفضه أغلب الزوجات من الأجيال الشابة، ورغم أن أكثر الأزواج من الشباب بدأ يتمرد على تلك العادة، وشاعت الأسماء العصرية الخفيفة كثيراً والتي غالباً ما تكون أسماء غير عربية، وإلّا أن هناك إغراقاً في التطرف عند البعض حيث يبحث كثير من هؤلاء عن أسماء تعود أصولها إلى الحضارات القديمة ليمنح لأبنائه تفرّداً لا يُضاهى.

دلالات دينية وأخرى وطنية وسياسية

لا يخفى على أحد أن الغالبية تبحث عن أسماء لها دلالاتٌ دينية وتفتخر بذلك أيضاً، تقول سيدة: “أسماء أولادي: قحطان، سفيان ، أُبَيّ وعُدي، ولو عاد بي الزمان فلن أغيّرها لأنني أفتخر بالأسماء العربية القوية”! وتظن أن للاسم تأثيراً على شخصيّة صاحبه.

وهذا حال الكثير، فقد يسمّي البعض تيمنّاً بشخصية وطنية، رياضية أو سياسية كأن يسمّي أحدهم أبناءه الثلاثة حسب الترتيب “رجب، طيب، أردوغان” ويطلق آخر اسم “أنجيلا” على ابنته المولودة بإحدى المدن الألمانية، في حين أن أغلب الأسماء العربية تعود إلى مرجعية دينية من مبدأ “خير الأسماء ما حُمّد وعُبّد”.

الاسم سبب للتنمر والسخرية

تقول إحداهن: “اسم ابنتي آية و تعني بيضة في اللغة الألمانية وهذا ما يدفع بعض الأطفال في مدرستها إلى السخرية منها لذلك نفكر بتغيير اسمها”.
لم يسلم اسم أوس أو شام أو غيرها من الأسماء التي تحمل معان سلبية باللغة الألمانية، مثلا من التعليقات الساخرة، فإحداهنّ مثلا وصلَها بريد رسمي يقترح عليها تغيير اسم ابنتها “شام” لأن لفظه بالألمانية يعني “العار أو المخجل”.

لكنّ كثيراً منّا يجد أنّه من الطبيعي مع اختلاف الثقافات أن تحدث بعض المواقف والتي اعتبروا أنها قد تثير الضحك، وأنه لا ضيرَ من التصحيح فالناس هنا يتقبّلون ذلك ومنهم السيدة رولا التي قالت وهي تضحك، إن زملاءها في العمل يدعونها “غولا”، لكنها صحّحت لهم اللفظ وشرحت لهم معنى كلمة “غولة” المخيف!

شوق إلى بعض أحرف الاسم لا أكثر

على اعتبار أن مخارج بعض الحروف باللغة العربية صعبة وقد تكون عصيةً في بعض الأحيان على النطق، فإن واقع الحال يفرض علينا أن نتصالح مع فكرة تغيير لفظ بعض الأسماء، أو أن نختار أسماءً كتلك التي لا يتغيّر لفظها، أو أن نؤيّد طلب إحداهنّ: “لقد تعلّمنا اللغة الألمانية كلّها، فما الذي يمنع إن تعلّم الألمان أنفسهم كيف تُلفَظ أسماؤنا”! وإنْ لم يتعلموا، فيكفينا أن نشتاق لبعض هذه الحروف التي لم نعد نسمعها عند مخاطبتنا.

  • إعداد: هيفاء عطفة