Image by Shepherd Chabata from Pixabay
6. أكتوبر 2021

قصة سيدة سورية بعزيمة لا تلين!

بعد حصولها على ليسانس لغة انجليزية، أٌتيح لـ إيناس فرصة عمل كمعلمة في دولة الكويت، حرصت على استغلالها، ليس من أجلها، فلديها فرصة عمل جيدة في سوريا، لكن من أجل استقدام زوجها إلى الكويت لاحقا، فقد سافرت بعد عرسها بشهر واحد لتجنيبه الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية. استقدمته وأعالت أسرتها الجديدة هناك حتى حصل زوجها على عمل، كان ذلك مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011.

بداية رحلة الشقاء!

بعدها بعام ولدت طفلها (قيصر)، بعد معاناة مع ارتفاع ضغط الدم، إذ كانت عرضة لتسمم الحمل الذي قد يصيبها بفشل كلوي، لكن المدرسة التي كانت تعمل بها رفضت منحها أية استثناءات تتطلبها حالتها الصحية، فظلت تعمل بدوام كامل، رغم نصيحة الأطباء لها بالبقاء في المستشفى لتكون تحت المراقبة الطبية! ورغم حالتها الخطرة، رفضت إجهاضه، حتى قرر الأطباء إجراء عملية ولادة مبكرة، فعانت في تربيته خاصة بعد مغادرة زوجها الكويت إلى المانيا، ورفض الحضانات المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة بالكويت استقباله لأنها مخصصة للكويتيين فقط! لتواجه أعباء تربيته المضاعفة، ومواصلة عملها المنهك كمعلمة معا.

غادر زوجها إلى المانيا في 2015، لتتغير علاقتهما جذريا، برسائله التي وصفتها بـ (الأم والزوجة السيئة)، في وقت كانت مضطرة فيه للبقاء مع طفلها بالمستشفى حتى ساعات الفجر لإصابة صدره بالتحسس الشديد، ثم تعود به للمنزل، لتذهب بعدها إلى عملها صباحا، في دورة حياة منهكة وشاقة، تزيد وحدتها من صعوبتها. عام 2017 وصلت إيناس إلى ألمانيا، لتواجه صعوبات مركبة أخرى، كسنة لا تنسى، لتستغرق عاما كاملا لتسجيل طفلها في حضانة خاصة، وهي محبوسة في منزلها دون صديق ولا قريب، ولا لغة تمكنها من التواصل مع مجتمعها الجديد.

الانفصال والبحث عن النجاة!

عندما عثرت على منظمة تساعد الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة اضطرت للخروج وحيدة في بلد لا تجيد حتى مجرد التعامل مع وسائل النقل فيه، فلم تعرف إيناس محطة نزولها من القطار الذي استقلته للوصول إلى المنظمة، وغادرت القطار في محطة لا تعلم موقعها، لتجلس على درج قريب وحيدة إلا من دموعها، وتستعيد أنفاسها لمواصلة بحثها عن المنظمة الموعودة حتى وصلتها بالفعل، وبدعم منها التحق قيصر بالحضانة.

انفصلت ايناس عن زوجها بشكل نهائي، وبدأت تعاني من حالة اكتئاب شديدة، خافت انعكاسها على حياة طفلها، ولجأت للدولة بحثا عن سكن مدعوم يحميها وطفلها من التشرد، بعد أسبوعين اضطرت خلالهما للتوفيق بين سكنها ومدرستها وحضانة طفلها ووحدتها، لكن كل تلك المعاناة لم تنل من عزيمتها وإصرارها على تعلم اللغة والبحث عن برنامج دعم، حتى حصلت عليه، وتدرس بنظام الساعات، وتعطي دروسا خصوصية باللغة الإنجليزية لتعيش، لكن الأسوأ يفاجئها دائما في كل منعطف جديد.

التعلم يلغي الحواجز

انتقلت إيناس إلى بيت مستقل، وسجلت طفلها في مدرسة للحالات الخاصة، وبدأت تدرس من جديد بمساعدة منظمة ألمانية وفرت لها رسوم دراستها بداية 2020، وهنا عندما اعتقدت أن الفرج قد حدث فعلا، أصيبت بحالة نفسية ألزمتها منزلها، نتيجة وفاة والدها البعيد، ثم واصلت الدراسة من المنزل، لانتشار وباء كورونا، لكن حصولها على اللغة، لم يمنحها فرصة العمل التي تحتاجها.

التحقت إيناس ببرنامج تدريبي لإعادة التأهيل الطبي، مكنها من إعداد ورش عمل لمساعدة الأسر التي لديها أطفال يعانون أمراض مزمنة، على التأقلم مع أمراضهم، ولضعف إقبال الجالية العربية، توقف البرنامج، وضاعت فرصة عمل ضرورية لها، لكنها لم تتوقف!

“مع التعلم يذوب الحائط الجليدي بيني وبين المجتمع الالماني”، هكذا قالت إيناس وهي تعبر عن امتنانها لخصائص الألمان الذين يشجعون غيرهم على تعلم لغتهم بشكل يثير الإعجاب. وقد أدهشتها طريقة التعامل الألمانية، عندما وصلتها رسالة شكر من التأمين الصحي على اهتمامها بطفلها، أسعدتها للغاية، كما أن تعاطفهم معها في معاناتها المتوالية كان محل تقدير وامتنان بلا حدود.

عزيمة لا تلين

لا تدري إيناس ماذا ستعمل غدا، لكنها تشعر بهويتها كمعلمة لغة انجليزية، وتؤمن بقدرها: “حتى لو وضعك الله بمكان غير مكانك ستجدين من ييسر أمورك”، هكذا تواسي نفسها، وهي تفكر بغد آمن لها ولطفلها المتوحد، بعزيمة لا تلين.

  • سماح الشغدري
    شاعرة وصحفية من اليمن
    samah.shagdari@gmail.com
  • Image by Shepherd Chabata from Pixabay