Photo: privat
17. أغسطس 2021

قصة نجاح صحفية أنقذتها ألمانيا بالصدفة!

أثبتت راما جرمقاني المولودة في ريف دمشق، أن الحب المبكر لأي فن يمنحك أفضلية اتقانه، ومفاتيح أسراره، فقبل أن تتجاوز الثانية عشر قررت أن تكون صحفية، لتحقق ذلك بدراستها الصحافة بجامعة دمشق عام 2003، ثم أصبحت معدة لبرامج صحفية منحتها امتيازات وفرص تدريبية وعملية.

ليست شخصية راما وحدها من مكنها من التميز المبكر، فأسرتها المنفتحة والمؤمنة بالعلم كون والدها أستاذ جيولوجيا، وأمها مدرسة فيزياء، منحتها حرية اختيار مستقبلها، لتقدم نموذجا لما يمكن أتصبح عليه الفتاة التي تمتلك هذه الحقوق وتمكنها من البحث عن ضالتها واقتحام الأبواب المغلقة، لإعداد برنامج إعلامي متميز.

خارج الفقاعة!

رغم صعوبة العمل الصحفي في بلد كسوريا، عملت راما في أول صحيفة الكترونية سورية “سوريا نيوز” التي بوقتها كان لديها شراكة لاستحضار مدربين من بي بي سي العربية لتدريب الصحفيين، فتمكنت من حضور هذا التدريب، واشتغلت كمحررة أخبار ميدانية، ثم خاضت تجربة جديدة ومتميزة مع تلفزيون أورينت كمشروع إعلامي، قاده فريق من الشباب بأفكار أصلية مبتكرة، ومحتوى سوري 100%، يتناول قضايا جريئة لم تطرق من قبل، كثقافة تناول الكحول والتعامل مع الأقليات عبر مراحل تاريخية مختلفة (حكاية سورية)، قضت شهورا خارج بيتها لإعدادها، فطافت سوريا، وتعرفت فيها على كل مجتمعاتها المحلية من “خارج الفقاعة”، وقابلت مواطنين يجهلون حقوقهم وواجباتهم ويفتقدون لثقافة المواطنة، ما دفعها نحو العمل المدني، وتعريفهم بحقوقهم.

إمرأة بملابس غريبة!

عام 2009 عندما كانت راما بمحافظة دير الزور شمال سوريا لتصوير فيلم وثائقي، كانت الفتاة الوحيدة وسط فريق مكون من 10 رجال، وكانت التقاليد القبلية تمنع جلوس الفتيات في مجالس الرجال، خاصة وهي ترتدي البنطال، لكنها رفضت ارتداء الجلابية عندما طلبوا منها ذلك، وأثارت استغرابهم، لدرجة أن زوجة الشيخ أغلقت غرفتها على نفسها خوفا من مخالطة امرأة ترتدي ملابس غريبة! وظلت الفتاة الصغيرة للشيخ تتبعها أينما ذهبت وتقلد حركاتها ولغتها، فشعرت أنها “جزء من أحلام طفلة”، وأن هناك ضرورة لتوعية البعض، الذي يحرمون من حقوقهم لعدم معرفتهم بوجودها أساسًا.

معارضة لا ثائرة

عندما قامت الثورة في سوريا، لم تكن راما “ثائرة” بحسب توصيفها لكنها كانت “معارضة” دائمًا حتى من قبل 2011، لم تشارك بالمظاهرات التي خرجت، لكنها كانت تعلم مما رأته خلال سفرها أن سوريا تنقصها ثقافة المواطنة، وأن هذا قد يقود إلى حربٍ أهلية. بعد سنوات من بداية الثورة، أدركت أن العمل على الأرض هو الطريق الوحيد لإنقاذ ما بقي إنقاذه، فأسست مع أصدقاء لها “راديو بنا” من دمشق، كأول راديو معارض يخرج من قلب دمشق، ومع أنها ام تسجل التقارير بصوتها لأن صوتها مألوف عند الجهات الأمنية، نجح الراديو رغم الإمكانيات المتواضعة، لارتباط مواضيعه بالشارع وأسلوبه الساخر.

خلال فترة الثورة التي تحولت إلى حرب، سافرت راما إلى الخارج عدة مرات أثناء عملها كناشطة بحقوق المرأة السورية، لكنها لم تفكر بالبقاء خارجًا كلاجئة، لكن في عام 2015 وخلال تواجدها في ألمانيا صدفة، لم يعد بإمكانها العودة لأسباب أمنية، بسبب تطورات أصبحت مطلوبة على أساسها وتم اعتقال أصدقائها بسوريا، لذا لم تتمكن من العودة، لكنها تمكنت من النجاة بالصدفة.

العمل في ألمانيا

حصلت جرمقاني على اللجوء بمساعدة “صحفيين بلا حدود”، لكنها بقيت تعمل لـ”بي بي سي” راديو من ألمانيا، كذلك تعاونت مع سي إن إن، لتغطية قضايا اللاجئين، وشاركت في إعداد وثائقي عن اللاجئين ترجم لأكثر من لغة، وآخر عرض قصة سوريا الصغرى في برلين، وحظيت بفرصة تدريب لدى دويتشه فيله، مكنتها من الالتحاق بها لتعمل ضمن فريق برنامج السلطة الخامسة أواخر 2017.

عندما توقف البرنامج (2018)، انتقلت لإعداد التقارير المعمقة لما وراء الخبر، حول تطورات الشرق الأوسط، وعملت مع الفريق بمهنية عالية تتخذ حقوق الإنسان معيارًا لعملها دون مخاوف، ورغم صعوبته والجهد المكثف الذي يحتاجه، لم تكن أمامها خطوط حمراء نسبيًا، كما عانت في سوريا.

ضياع الهوية!

هذا الانشغال المنهك والطويل، منعها من تجاوز مشكلة اللغة الألمانية، فقد كان البحث عن عمل لتأمين متطلبات الحياة هو الأولوية، ولا تزال تشعر بأن اللغة تحدٍ مستمر، فهي وإن تمكنت من الحديث اليومي بالألمانية، ليست قادرة على استخدامها مهنيًا حتى الآن، لتشعر بأنها “طفل بعمر 5 سنوات لا يستطيع التعبير عن نفسه”، ولا تعرف ما يهم الألمان لتكتب عنه بحكم حياتها بعيدة عنهم رغم تواجدها بينهم، وبالتالي لم تشعر بأنها أصبحت ألمانية، وفي نفس الوقت، لم تعد تشعر بأنها سورية، كنوع من “ضياع الهوية” حسب تعبيرها.

التأقلم والأصدقاء والعمل الميداني!

عجزت راما أيضا عن تعويض شبكتها الاجتماعية الواسعة التي كانت تملكها في سوريا، لتشعر أنها – كصحفية – “لا تملك بيئتها التي تعيش فيها”، كما تفتقد دعم أسرتها التي تحن إليها.

نتيجة تربيتها في أسرة سورية منفتحة، لم يتغير شيء في حياة راما من حيث اللبس أو الثقافة، ورغم ذلك، فقد عانت صعوبة التأقلم بداية حياتها في ألمانيا، وغيرت أصدقائها الجدد أكثر من مرة! لكن الأبرز كان عيشها تجربة خمس سنوات بلا خوف في ألمانيا، فلم تعد تمشي “ضامة أكتافها خوفا” كما كانت تفعل في سوريا حسب قولها.

تتوق راما للعمل الميداني مجددًا، لأن عملها الحالي من وراء الشاشة بالمكتب، ورغم تطور مهاراتها المهنية بشكل كبير، لا تملك تصورًا واضحا لمستقبلها، وإن فكرت “بمشروع صحفي خاص، لكن ذلك مبكرا الآن”.

  • سماح الشغدري
    شاعرة وصحفية من اليمن