Bild von Coxy Chiara Rodoni auf Pixabay
4. مايو 2021

الخطوط الحمراء “الخفية” في الصحافة الألمانية!

عندما صدر التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي تنشره منظمة مراسلون بلا حدود سنویاٌ منذ عام 2013، أردت أن أعرف ترتيب سوريا في هذا التصنيف، فلم أبدأ بالقراءة من الصفحة الأولى بل بالصفحة الأخيرة؛ لأنني أعرف وضع الصحافة وحريتها في بلدي الأم!

ثلاث صحف!

في سوريا قبل عام 2000؛ أي قبل وفاة الدكتاتور الأب، وتسلم الدكتاتور الابن. لم يكن هناك سوى ثلاث صحف، بالواقع لو جمعت مواد الصحف الثلاث، سترى أنها متطابقة، وستوفر على نفسك شراء الصحف كلها، لأن صحيفة واحدة تكفي، وتفي بالغرض.

وبعد عام 2000 لم يصبح الوضع أحسن حالاً، حيث دخل القطاع الخاص والمتمثل برجال أعمال مقربين من النظام، ومن الحزب الحاكم سوق الإعلام. وبات هناك صحف ومجلات خاصة، لكنها تُدار بذات العقلية، والطريقة التي تُدار بها الصحف الرسمية. والخطوط الحمراء التي يجب على الصحافي عدم تجاوزها هي ذاتها. لأن المسؤولية عن الإعلام منوطة بوزارة الإعلام، والتي لا تختلف كثيراً عن أي مؤسسة تابعة للنظام الدكتاتوري.

محرر واحد!

بنظرة واحدة على الصحف الثلاث، تستطيع معرفة مقياس الحرية التي يتمتع بها الصحفيون العاملون فيها. حتى أنك للوهلة الأولى تظن أن المحرر في الصحف الثلاث هو شخص واحد. وخاصة الصفحة الأولى والمخصصة لزيارات ونشاطات رأس النظام، وفعاليات حكومته. فهذه وبحسب مصدر مطلع أكد لي ذات مرّة أن بعض الأخبار في الصفحة الأولى تأتي مكتوبة جاهزة، ولا يحق للمحرر أن يتدخل فيها، حتى لو كان فيها أخطاء لغوية، عليه أن يعيدها إلى مصدرها، لأنه الوحيد المسموح له بإجراء التغيير المطلوب!

في سوريا لم يكن للمال أي دور في السياسة التحريرية للصحف والمجلات الصادرة في البلاد. فالممول هو النظام، ودور الصحافة في بلاد يحكمها طاغية، هو تلميع وفبركة وجه حسن للنظام، وعدم الحديث عن أي شيء سيء يحدث، إلا في حالات نادرة، وفي حال حدوث ذلك، يكون مصير الصحافي الذي كتب المقالة أو الريبورتاج أو التحقيق محتوماً، وهو السجن، والتهمة التطاول على الدولة!

خطوط حمراء خفية!

الغريب أنه في ألمانيا وعلى الرغم من أن حرية الصحافة والرأي يكفلها دستور البلاد. وأنه لا خطوط حمراء، إلا أنك تشعر بأن هناك خطوط حمراء خفية. لم تضعها الدولة، ولا القانون، بل هي مصطنعة، وأغلب الأحيان تكون من قبل المحررين في الصحف، وغرف الأخبار في القنوات التلفزيونية! فبعد خمس سنوات من التعامل مع الصحافة الألمانية، سواء بالمشاركة أو بالاطلاع، لاحظت أن من هذه الخطوط: اللغة الألمانية خط أحمر، فلا تقبل الصحف أي لغات أخرى، أو الأصح عدد الصحف والقنوات التي تبث باللغات الأخرى شبه معدومة. وتعد على الأصابع! وباتت الحاجة الآن ضرورية لوجود هذه الصحف أو المواقع، في زمن انتشار الوباء!

لا تنوع في غرف الأخبار!

ومن تلك الخطوط التي أواجهها كصحافي مهاجر، أن المواضيع المتوقعة منّي، والمطلوبة ليست كثيرة. وتتعلق فقط بالمقارنات بين الوضع هنا وهناك في سوريا، أو بمواضيع تتعلق باللاجئين والمهاجرين ومجتمعاتهم في ألمانيا. لكن هناك بعض الصحفيين المهاجرين ممن كسر هذه القاعدة، وكتب حول مواضيع مختلفة.

الشيء الآخر الذي تواجهه كصحافي في ألمانيا، عدم التنوع في غرف الأخبار بالصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية. ففي الغالب هم من الألمان، الأمر الذي يترك أثراً على المواد المنشورة، وكيفية التعامل معها. وهذا الأمر تم تداركه الآن، وصار هناك حديث وانتقادات حوله في الأوساط الألمانية.

لكن في النهاية ورغم كل ما تحدثت عنه، إلّا أنك كصحافي في ألمانيا، تتمتع بسقف حرّيات عالي جداً، صحيح أنك تواجه أحياناً أبواباً مغلقة، وخاصة إذا كنت تعمل كصحافي حر، إلّا أنك تعمل في بلد هو في المرتبة الـ 13 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة!