© Ahmad Kalaji
16. أبريل 2021

في بلادي الواسعة الفسيحة.. لن تذكرني أشجار التين والزيتون!

كان والدي دائماً ما يحكي لي عن أشجار بيتهم القديم عندما كان صبياً، عن ذكريات مع أشجار التين والزيتون والمشمش. كثيراً ما سمعتم عن دمشق وعطر ياسمينها وغوطتها وصوت تدفق الماء في بردى، حتى أنه أطلق عليها اسم الفيحاء، ربما لدلالة الاسم في الفصحى، فالفيحاء هي المكان الواسع الفسيح، أو ربما لروائحها الفواحة.. لا أعلم! ولكن ما أعلمه، أننا نحب المغالاة، نغالي في حبنا وكرهنا، في فرحنا وحزننا وبالطبع في مدح جمال مدننا! كيف لا وسلام من صبا بردى أرق، ودمع لا يكفكف يا دمشق؟ كيف لا؟

لا أذكر أني تفيأت بظل شجرة في دمشق

قد يسخط علي البعض، وأنا ابن دمشق ولا أريد أن اكون مجحفاً بحقها، ولكن لا أذكر أني تفيأت بظل شجرة في دمشق. لا أذكر من بردى سوى رائحته النتنة عند جسر الرئيس ونقيق الضفادع. اذكر رائحة الياسمين صيفاً سرعان ما تخنقها عوادم السيارات والمكاري. حقيقة لم تكن تعنيني الأشجار في شيء ولم يكن لها أي دور في حياتي. لا أذكر في دمشق أني وقفت أمام شجرة لأتأملها وتتأملني أو احتضنها وتحتضني

للأسف، لم تسنح لي الفرصة لرؤية غابات الشمال والساحل السوري، أشجار إدلب الخضراء، الفرنلق والشوح والبلعاس. حتى أن ذكرياتي الجميلة في دمشق تم استبدالها بأخرى قبيحة! في حديقة تشرين، الحديقة الأكبر في دمشق، هناك عناصر أمن أكثر من عدد الأشجار. أذكر من دمشق، حواجزها الأمنية، الازدحام الخانق في كل مكان، رائحة العرق الممزوجة بالقهر في انتظار المكروباص، الوجوه البائسة، أعمدة الدخان المحيطة بدمشق بسبب براميل الموت التي كانت ترميها طائرات النظام

أخر صورة التقطتها في دمشق شباط/2013


تسلقت الشجرة ورأيت حيوان الراكون

كانت Volkspark Friedrichshain أول حديقة أزورها في ألمانيا، أكبر الحدائق في برلين. كنت مذهولاً بأشجارها وبحيراتها، بمساحتها الواسعة الفسيحة ولولا حصرية الاسم لدمشق، لأطلقت عليها اسم حديقة الفيحاء. لم تبعد الحديقة عن مكان سكني سوى تقطيعة شارعكما يقال. أصبحت أتردد عليها يومياً وأمضي ساعات اتأمل طبيعتها واكتساء أشجارها بزهور من كل الألوان والروائح. تسلقت مرة إحدى الأشجار، أمضيت ربما ساعة فوق أغصانها. كانت المفاجئة عندها رأيت على الشجرة المقابلة أنثى حيوان الراكون مع ثلاثة من صغارها! أعجز عن وصف سعادتي حينها، ولكني أستطيع أن أغالي بعض الشيء (كوني شامي) وأقول أن المشهد كان من أجمل ما رأيت وأكثر ما يبعث على البهجة “حينها

جولة مصورة في حديقة Volkspark Friedrichshain


أصبحت متطرفة تجاه الأشجار!

أخبرت صديقتي بيان، المقيمة في ألمانيا منذ خمس سنوات، أن علاقتي بالطبيعة والأشجار اختلفت جداً عن ما كانت عليه عندما كنت بسوريا، أو تكونت علاقتي معها هنا إن صح التعبير! بالنسبة لبيان اقتصرت علاقتها بالأشجار في سوريا على عيد الشجرة وشعار ازرع ولا تقطع! شعار كغيره من الشعارات المفرغة من معناها.

تقول بيان: لما تركت سوريا واجيت على بلد بيتعامل حتى مع الشجر كأنها روح، تغيرت نظرتي لهاد الجمال الأخضر يلي بشوفو وين ما مشيت. تعلقت بالبيئة أكثر وصرت أفهم اديه مهم نحافظ على البيئة وأنو روح هالأشجار من روحنا.. صرت متطرفة تجاه الأشجار والنباتات! خصوصي بعد ما صرت ازرع نباتات ببيتي وشوفهم عم يكبروا، هالشي خلق عندي شعور أكبر أني بدي أحمي الأشجار متل ما بحمي نباتاتي!”

صورة التقطتها لبيان في غابات جزيرة “روغن” شمال ألمانيا في بحر البلطيق

في سوريا، كانت العلاقة الجميلة الوحيدة لبيان مع الطبيعة في فصل الربيع عند التنزه في الغوطة ورؤية الأشجار المزهرة والمناظر الجميلة التي تشوبها الزبالةهنا وهناك! وتضيف أشعر بالحزن أني لم أعطي الأشجار في سوريا أي اهتمام!


الغابة هي الملجأ

يتفق بشر المقيم بمدينة إيسن في ولاية شمال الراين معنا بالرأي، في دمشق الفيحاء، لا يوجد حدائق واسعة وفسيحة! كانت الحديقة في سوريا بالنسبة لبشر هي المكان الذي يختبئ فيه ليدخن سيغارة بعيدا عن ألأنظار.. في الحقيقة لم تكن تعني له البيئة أو الأشجار شيئاً من قبل!

يقول بشر: حلاوة ألمانيا أنو دائما بكون في قريب من بيتك غابة مو بس حديقة! بس تطلع على هالغابات بتكتشف اديشها حلوة وبتحس بكمية الهدوء والراحة يلي بتعطيك ياهابدأ بشر بكوين علاقة جميلة مع الأشجار، وأصبحت الطبيعة هي المكان الذي يلجأ إليه حين يشعر بالضيق! ليس فقط عند الضيق بل هو مكانه المفضل في كل الأوقات. يضيف بشر:هلأ لما يخطر ببالي شوف حدا، أول مكان بفكر شوفه فيه هو الطبيعة! بينما بسوريا كان دائماً المكان هو القهوة أو الكوفي شوب.”

صورة النباتات التي زرعها بشر في غرفته بالسكن الجامعي


صرلي زمان ما رحت عالغابة

حتى غزل، المقيمة بمدينة زاربروكن، كانت معتادة على حياة دمشق وازدحامها ودخانها! زيارات الطبيعة الوحيدة لها مقتصرة على سيارين الغوطة كم مرة بالسنةوجلسات الشواء ودخانها. دون أي تواصل حقيقي أو كافي مع الطبيعة! تقول غزل: بألمانيا سكننا بضيعة لفترة منيحة و ماكان عنا خيار لمشاورينا إلا الغابة القريبة. نروح و نقضي ساعات فيها عم نستكشف ونتسلق ونصور أوراق الشجر. بعد سنين جملة (صرلي زمان مارحت عالغابة) صارت تتكرر! صرت حس بالنقص و برغبة قوية لروح امشي بين الشجر وكل مرة بتجاوب مع هالرغبة وبروح بحس حالي فجأة رجعت اتنفس و كأن كل هالوقت ماتنفست!”

صورة من الحديقة المحيطة بقصر شارلوتنبورغ بالقرب من منزلي القديم


كم شجرة يوجد في ألمانيا؟

تشكل الغابات ما مجموعه 33% من مساحة الأراضي الألمانية. وذلك أكثر من 11 مليون هكتار أو 111 مليون دونم كما نحسب في سوريا. حاولت جاهداً معرفة عدد الأشجار في سوريا ولكن بالطبع المكتب المركزي للإحصاء مشغول بإحصاء الانتصارات وترهات أخرى. في حين أن وزارة الزراعة كانت منهمكة  في ورشة عمل حول دودة الحشد الخريفية! دون مزاح، أثار الموضوع اهتمامي، لكن كانت المعلومات في الصفحة عن رؤساء البلديات ومعاونهم ورؤساء الدوائر الإرشادية و برعاية فلان وحضور علان!

حسناً.. في ألمانيا يوجد حالياً 90 ترليون شجرة! نعم ترليون! صراحة لا أعرف ما هذا الرقم الفلكي لذا اضطررت أن أسأل صديقي غووغل ليتبين أن الترليون له 12 صفراً بجانبه!

90,000,000,000,000 شجرة!

صورتي في إحدى غابات ولاية ساكسونيا


ولكن رغم كل أشجارها، لا يوجد هنا لا تين ولا زيتون. لامشمش ولا توت شامي..
يكفي هناـ فقد بدأ الحزن على أشجار سوريا يتسلل إلى فؤادي. وكما قال الشاعر مالك بوذيبة:

لست أدري أين قرأت ،
أو أين سمعت ،
أن الأشجار رجال منقلبون على رؤوسهم
في الجبال (…)

لهذا ربما كانوا يـحرقون الأشجار،
في وطني ،
بحجة منع الانقلاب ؟!