illustrations: Noah Ibrahim
21. فبراير 2021

هل يتعارض الاحتفاظ باللغة الأم مع إجادة اللغات الأخرى؟

هل الحديث باللغة الأم من قبل المهاجرين، يُعد مشكلة وعائق أمام تعلم لغة البلد المضيف ولماذا؟ ربما يرى البعض أن هذه العبارة الاستهلالية لما سيأتي لاحقاً، ليست سوى سؤال يشابه تلك الأسئلة التي تُطرح في الامتحانات. لكنني كصحافي مهاجر، أو لاجئ سمني ما شئت، يشغلني هذا السؤال دوماً. لماذا يُنصح المهاجرون دوماً بعدم التحدث باللغة الأم، وهذه النصائح، تأتي إما من مهاجرين مثلهم، أو من أفراد ومؤسسات في المجتمع المضيف. لماذا ستشكل لغتهم عائقاً أمام اندماجهم في المجتمع، مع أن كل ما هو أخلاقي، يدعو إلى التعددية سواء اللغوية، أو الدينية.. إلخ.

اللغة الأم ضرورية لتعلم لغة أجنبية!

ورد في مقال لصحيفة العربي الجديد التي تصدر من لندن، فيما يخص أهمية اللغة الأم والدور الذي تلعبه في تعلم لغة أخرى، أنه “من أجل تعلم لغة أخرى، عليكم الاعتناء بداية بلغتكم الأم” وهذه العبارة هي عنوان لمقال نشره الصحافي المتخصص في شؤون المجتمع والأعمال، مايكل سكابنكر في صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية عام 2019.

رأى سكابنكر أن استخدام اللغة الأم، في الوقت الذي يتعلم فيه الطفل لغة أجنبية، يعطي نتائج أفضل، مدعماً رأيه بدراسة صدرت عن دار”أوكسفورد يونيفرسيتي برس”، والتي وصلت إلى نتيجة أنه في ما يتعلق بتعلم اللغة الإنكليزية كمثال، فقد أتت النتائج الأفضل في المدارس التي تهتم بلغة تلاميذها الأم، بالتزامن مع الاهتمام باللغة الإنكليزية.

فيا “ليت قومي يعلمون”، وخاصة أولائك الذين يرون التحدث مع أطفالهم باللغة الأجنبية، نوعاً من التقدم والتطور! وكذلك نظام التعليم في ألمانيا، الذي حتى مع أن أكثر من مليون سوري وصلوا إلى البلاد، وغيرهم من العراقيين، وغيرهم من الموجودين منذ أكثر من 30 عاماً، وحتى الآن لم تدخل اللغة العربية على سبيل المثال في المناهج التعليمية الألمانية، على الأقل للأطفال والتلاميذ ذوي الأصول العربية.

لا تتحدثوا مع أولادكم بالألمانية!

ربما لا يعجب ما سأقوله الآن بعض العائلات المهاجرة، لكن التحدث مع الأطفال في المنازل برأيي، يجب أن يكون باللغة الأم، وذلك لأسباب عديدة، فعدم استخدام اللغة الأم مع الزمن سيؤدي إلى فقدانها، وبالتالي فقدان جزء من الهوية، التي تُعد اللغة الأم مقومة من المقومات الجوهرية لها  بحسب خطاب الأمم المتحدة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة الأم، الذي يصادف اليوم 21 شباط/ فبراير. وجاء في الخطاب أيضاً أن اللغة الأم لا تهدد الاندماج، فهي بالعكس تماماً تعززه، وتعد ركيزة أساسية في الاتصال والاندماج الاجتماعي والتعليم والتنمية كذلك.

السبب الآخر لضرورة التحدث باللغة الأم داخل المنزل، أنه مهما بلغ مستوى الوالدين باللغة الألمانية، لن تكون في المستوى المطلوب والواضح، الذي يتحدث بها معهم مدرس اللغة الألمانية، فحديث الوالدين مع الأطفال باللغة الألمانية، ربما يكون له أثر سلبي، فبدل من تعزيزها وتقويتها، قد يؤدي إلى تدهورها بحكم أنها ليست لغتهم الأم.

أما السبب الأخير والذي أراه الأهم، فإن اللغة الأم، هي الحبل السري، الذي يربط الأطفال وأفراد العائلة المهاجرة بأقاربهم في سوريا، أو العراق، أوالبلد الأم، أو أبناء أفراد العائلة المهاجرين في دول لغاتها مختلفة! فطفلي مثلاً لن يستطيع التواصل مع جدته بالهوخ دويتش، ولن تجدي لهجته البرلينية مثلاً مع أولاد عمه في بريطانيا.

43 بالمئة من اللغات معرضة للاندثار!

ما أود قوله أنه يجب الحفاظ على اللغة الأم، فهي التي تحفظ التراث، وتحفظ الهوية، والتاريخ. خاصة في زمن العولمة، لأن اللغات أيضاً تموت، وتندثر، وبموتها تموت الكثير من القصص، والحكايا، والأغاني. وبموتها برأيي تضيع الهوية، فالعالم بلغة واحدة ليس له طعم، كلوحة بيضاء دون ألوان!

وبحسب الأمم المتحدة، فإن 43% من اللغات المحكية حالياً في العالم، والتي يبلغ عددها 6000 لغة، معرضة للاندثار! واللغات التي تُعطى لها أهمية في نظام التعليم والمجال العام، لا يزيد عددها عن بضع مئات، أما تلك المستخدمة في العالم الرقمي فإن عددها يقل عن مائة لغة. فلنحافظ على ذاكرتنا من خلال الحفاظ على اللغة الأم، صدّقوني كلمة مع السلامة لطفلك الذاهب إلى المدرسة، أجمل كثيراً من كلمة Tschüss, bis später!

مستقبل اللغة العربية في ألمانيا وضرورة الحفاظ عليها