Photo: cocoparisienne- pixabay.com
25. ديسمبر 2020

لماذا يفضل بعض الألمان تعلم اللغة العربية؟

كان أول ما استرعى انتباه غادة الصبية السورية العشرينية عندما ذهبت للقاء تيريزا في موعد لتبادل اللغات (تاندم). هو الطوق في رقبتها والذي هو عبارة عن اسمها مكتوباً باللغة العربية، فمنذ اللقاء الأول بدا واضحاً افتتان الفتاة الألمانية بهذه اللغة!

تعكف غادة القادمة من سوريا على تحسين قدرتها التحدث باللغة الألمانية. ما دفع بها للبحث عن شريك تاندم ألماني تجتمع معه بشكل دوري بغية التحدث بالألمانية. لم يكن الأمر صعباً فقد تمكنت من العثور بسهولة على تيريزا عبر فيسبوك! وهذه الأخيرة تبحث عن شريك تتحدث معه العربية، بينما تقوم بمساعدته في المقابل بتعلم الألمانية.

اجتمعت الفتاتان عدة مرات في برلين قبل أن يحدث الإغلاق الثاني، واضطرت تيريزا للعودة إلى بلدتها جنوب ألمانيا. تيريزا تسعى للحصول على وظيفة في السلك الدبلوماسي، وذلك يحتم إمتلاك المرء مهارات بأكبر عدد ممكن من اللغات، وكونها تتحدث الإنكليزية والألمانية بطلاقة. والإسبانية بشكل جيد، كان اختيارها الرابع هو اللغة العربية. وقد زارت تونس عدة مرات، وأرسلت طلبات توظيف في دول خليجية عدة.

ألمان يتعلمون الفصحى!

أما بري التي تبلغ من العمر ثلاثين عاماً فتخبرنا أنها أعجبت بوقع اللغة العربية منذ صغرها! كان والدها يعمل في الكويت، ما دفعها إلى تعلم الفصحى بين عامي 2011 و2014 في لايبزغ. فقررت لاحقاً دراسة العربية في جامعة لايبزغ. تضيف قائلة إنه كان لديها عدة تجارب على صعيد التاندم، أولها مع شاب يمني في لايبزغ لأنه كان يجيد الفصحى بشكل جيد. بعد ذلك تقول بري إنها أدركت أن الفصحى ليست مثالية للحياة اليومية! ما دفعها لتعلم العربية المحكية، مرة أخرى من خلال التاندم، مع شريكة من سوريا هذه المرة.

وتضيف بري: “هناك صعوبة كبيرة فيما يتعلق بقواعد اللغة العربية! عام 2015 عشت لعدة أشهر في الأردن، وعقب عودتي إلى لايبزغ كان هناك الكثير من اللاجئين السوريين! وكان هناك حاجة ماسة لمترجمين، لم يكن وقتها الكثير من الألمان يجيدون بالعربية. فتطوعت للقيام بذلك. أجبرني ذلك على تعلم اللهجة السورية!”.

في حب اللهجة الدمشقية

تقول بري إنها وقعت بعد ذلك في حب اللهجة السورية، خاصة الدمشقية منها: “يمكنني القول إن أذني أصبحت تألف هذه اللهجة كونه أصبح لدي أيضاً أصدقاء أعزاء من دمشق”! أما عن طريقة تعلم اللغة بالنسبة لها فتقول: “التعلم يحدث بشكل أفضل من خلال الأصدقاء”.

فلوريان شاب ألماني يعيش في برلين حالياً، كانت بدايته بتعلم اللغة العربية في عمان لمدة أشهر قليلة. وفي ألمانيا أجرى تاندم مع فتاة سورية تعرف عليها من خلال الإنترنت، واستمر ذلك لمدة عام تقريباً! لا يعتبر أنها كانت تجربة ناجحة لأنهما اعتمدا على الألمانية معظم الوقت خلال التحدث! ويضيف: “كان الموضوع مختلفاً في عمان لوجود عدد كبير ممكن يرغبون بتعلم الألمانية. لأنهم يريدون الدراسة ألمانيا وكانوا بحاجة لشهادات لغة..هناك كان التاندم حقيقياً”

عن اللغة والدين

لا يمكن الفصل بكثير من الأحيان بين العربية والدين كونها لغة القرآن والحامل الأساسي للثقافة العربية. في حالة بري، تعتبر هذا أمراً إيجابياً كونها مهتمة بالأساس بالعربية الفصحى، ولديها أصدقاء عرب يقرؤون القرآن، وهو ما جعلها تستسيغ تلك اللغة. أما في حالة فلوريان يبدو الأمر مختلفاً، ففي إحدى المرات جمعته تجربة تاندم بشاب سوري يصفه بـ “المحافظ” ويضيف: “شعرت أن الشاب السوري لم يأخذ التجربة على محمل الجد، فهو من النوع الذي يعتز بلغته كونها لغة القرآن، ولم يكن مفهوماً بالنسبة له أنني غير مهتم بالفصحى كثيراً وإنما ينصب اهتمامي على لغة الحياة اليومية”.

فلوريان يقول إنه مهتم بالعربية من قبيل الهواية، فمنذ كان يافعاً أراد تعلم شيء بعيد عن ثقافته الأم، وكونه يعمل صحفياً فقد كان ذلك مهماً بالنسبة له في إجراء الأبحاث والمقابلات خاصة بعد موجة توافد اللاجئين من سوريا عام 2015.

الصعب والجميل في تعلم العربية

يقول فلوريان: “بالنسبة لي أصعب ما في الموضوع هو نطق بعض الحروف، أما ما أجده جميلاً هو وجود الكثير من الجمل بالعربية المحكية تصلح للحياة اليومية وتعبر عن مشاعر وحالات لا نملكها باللغة الألمانية”! في حالة بري فإن ما تجده صعباً هو تعلم المفردات الجديدة، لكن أكثر ما يجذبها بالعربية هو التنوع الكبير للهجات الذي تعتقد أنه جميل، بالإضافة لوجود كلمات متشابهة بالحروف ذات معاني مختلفة، لكن يوجد بينها رابط خفي من المعنى. تسوق مثالاً على ذلك كلمتي: رحم ورحيم!

يجمع الذين التقينا بهم على أن اهتمامهم ليس باللغة فقط، وإنما بالثقافة والبيئة ككل! فهذا يساعدهم على فهم الآخر بشكل أفضل، وهو ما دفعهم للإنخراط مع شركائهم في نشاطات مشتركة كالطبخ والرياضة.

أثناء مرورنا في شارع العرب برفقة بري، كانت الفتاة تدندن بأغنية “إنت معلم” الشهيرة لسعد المجرد. والتي يبدو أنها تحفظ كلماتها بشكل جيد، فيما قمت أنا وصديقة أخرى بتصحيح أخطاء نطقها لبعض كلمات الأغنية! ثم ضحكنا سوية.. لكنها تعتبرها من أحب الأغاني لقلبها!