Nowras Rahhal
9. ديسمبر 2020

من فلسطيني بلا وطن إلى مشارك في إنتاج لقاح كورونا!

يُقال أن لكل شخص من اسمه نصيب ولكن أليست الأسماء أيضاً هي أحلام الأهل التي حملونا إياها كإرث. كان هذا هو الإرث الذي حمله نورس رحال الشاب الفلسطيني المولود في سوريا دون جنسية، فلا يُسمح للفلسطيني بالتجنيس رغم ولادته فيها، وعلى الرغم من أن والدة رحال سورية، إلا أن القوانين في سوريا تمنع النساء من نقل جنسيتهن إلى أطفالهن، لذلك ولد رحال واخوته بلا جنسية مثل والدهم. رحال الذي كان حلمه الطيران والتحليق لينتمي للسماء بعيداً عن حدود الأرض، وجد أن العلم قد يمنحه أجنحة وهي ما ستوصله إلى مايطمح إليه، ليكون واحداً من الفريق البحثي الذي ساهم في انتاج واحداً من لقاحات كورونا الواعدة.

لم تكن الصعوبات باجتياز الحدود فقط بل استمرت حتى بعد وصوله ألمانيا يقول رحال: “لن أتحدث عن صعوبات الاندماج في ألمانيا ولكن أكبر الصعوبات كانت الحصول على الإقامة المؤقتة للطلاب كشخص بلا جنسية. معظم من تعاملت معهم بالدوائر الحكومية لم يكن لديهم الخبرة بالتعامل مع مثل هذه الحالات وهذا أدى إلى تخبط كبير حيث تم تغير حقل الجنسية في بطاقتي ثلاث مرات: بلا وطن، سوري، ثم غير معرف أو واضح”.

طموح بلا حدود.!

لم يكن طموح رحال من دراسته أن يقف بصيدلية وأن يقدم الأدوية للمرضى، فكانت له بصمته هنا، خاصة في ظل جائحة كورونا يقول: “كنت المسؤول عن تركيب لقاح واعد من إثنين نتجا عن جهود المجموعة البحثية التي انضممت إليها”. فلقد أنهى رحال 27 عامًا، للتو العمل مع فريق معهد  ماكس بلانك في بوتسدام  لتطوير نظام يسمح بتطبيق الأدوية واللقاحات على الجلد، بدلاً من حقنه في العضلات. وقال “إن فريقه يأمل أن هذه التقنية – التي تستهدف خلايا مناعية متخصصة في الجلد – سوف تتطلب جرعة أصغر بكثير لكل شخص، وهي ميزة كبيرة عند تلقيح أعداد كبيرة من السكان”.
بعد أن اجتاز لقاحهم الواعد الاختبارات الأولية، تم تسجيله حسب الأصول بمنظمة الصحة العالمية ويخضع لمزيد من التجارب. عند انضمام رحال  للفريق في يناير/ كانون الثاني لم يكن لدى مشرفيه أي فكرة عن قصة رحال، فقد كان كل ما سُأل عنه كان عن معلوماته العلمية وما يمتلكه من خبرة وتم توظيفه على هذا الأساس. يطمح رحال الاستمرار في البحث العلمي والحصول على الدكتوراة في تكنولوجيا اللقاحات تحت إشراف Rademacher في جامعة فيينا.

طريق الحلم غير مفروش بالورود.!

نورس رحال في مدينة كاسل أثناء قراءته القصص للأطفال اللاجئين ضمن فعالية سرد القصص بعدة لغات بالتعاون مع المدارس الألمانية

تخرج رحال من كلية الصيدلة في جامعة دمشق في عام 2016، يقول:” كان من الصعب جداً حصولي على فيزا للسفر، تقدمت لأكثر من عشرين برنامج ومنحة ولم أقبل إلا بثلاثة برامج، اخترت منها جامعة كاسل. وللحصول على الفيزا كان علي الدخول بعملية طويلة، استغرقت تقريبا سنة كاملة. فهناك صعوبة إضافية يعاني منها فلسطينيو سوريا عند إجراء المقابلات في سفارات لبنان ألا وهو الانتظار على الحدود اللبنانية، والذي قد يصل لأكثر من 12 ساعة، لقدوم برقية أمنية من الأمن العام اللبناني لتسمح لك بالدخول”. أدى اجتهاد رحال إلى ترشيحه لجائزة أفضل طالب دولي في جامعة كاسل، حيث حصل على درجة الماجستير في علوم النانو، وتخرج بدرجات عالية. كما تعلم اللغة الألمانية وعمل في أبحاث عن أدوية السرطان وشارك كقارئ للقصص للأطفال ضمن فعالية لسرد القصص بلغات متعددة للأطفال اللاجئين بالتعاون مع المدارس الألمانية.

 

إرث من الأحلام.!

نورس رحال مع أمه وأخوته

نورس رحال مع أمه وأخوته

تنقل رحال بين كاسل، برلين، وبوتسدام لينتقل الآن إلى فيينا والتي تُعدّ واحدة من أجمل مدن العالم، لكنه وجد أن “الغربة واحدة” فمازال يحن إلى دمشق وإلى حيفا مدينة أجداده على الرغم من أنه لم يزرها قط. إرث الأحلام التي يحملها رحال جعلته لا ينسى العمل على التوعية لحقوق الفلسطينين والقضية الفلسطينية ومن لا يحملون جنسية حول العالم. لتكون قصته واحدة من القصص التي ألهمت مفوضية اللاجئين للأمم المتحدة، خاصة أنها تقود حملة تحت مسمى #أنا_أنتمي  والتي تعمل على تشجيع الحكومات لإنهاء هذه المشكلة كليًا بحلول 2024. يعتبر خبراء الأمم المتحدة إن الفشل العالمي في دمج الأشخاص عديمي الجنسية هو إهدار هائل للإمكانات البشرية. يقول رحال: “أنا محظوظ للغاية لأنني أتيحت لي الفرص في حياتي للحصول على التعليم”، “أنا متأكد من أنه إذا كان الأطفال عديمي الجنسية قد أتيحت لهم هذه الفرص، سنسمع حينها الكثير من قصص النجاح الرائعة”.

يوجد اليوم نصف مليون فلسطيني في سوريا ، لكن لا يُسمح لهم بالتجنيس رغم أن معظمهم ولدوا في البلاد، فوالدة رحال سورية، ولا يُسمح للأم السورية من نقل جنسيتها لأطفالها، كحال الكثير من النساء في العديد من الدول العربية، لذلك ولد رحال وأخوته بلا جنسية مثل والدهم. يُقدر بنحو 10 ملايين شخص عديم الجنسية في العالم، محرومون من أهم حقوق الإنسان  الأساسية.

Photo : Nowras Rahhal