epd - Thomas Rohnke
21. سبتمبر 2020

أزمة الديمقراطية.. مشكلات أم تهديدات؟

ديمقراطيتنا في خطر“.. جملة سمعتها على مدار أربع سنوات حيثما ذهبت وأينما جلست، تارة تُقال من قبل الوسط ويسار الوسط مع الإشارة إلى اليمين المتطرف على أنه الخطر المحدق، وتارة أخرى تقال من قبل أشخاص لا ينتمون لليمين، لكنهم يتعاطفون معه! مع التأكيد على أن اللاجئين والمهاجرين هم من يمثلون هذا الخطر!

آخرون يرون الخطر على الديمقراطية آتٍ من أنظمة سياسية ودول خارج أوروبا، أو يلقون اللوم كاملًا على العولمة، وهو ما انتقده بشدة عالم السياسة الألماني والأستاذ بجامعة كنت، أدريان بابست في كتابه شياطين الديمقراطية الليبراليةحيث رأى أن اعتماد هذه السردية في تفسير تراجع الديمقراطية الليبرالية، يتجاهل تمامًا حقيقة المشكلة والتي تكمن لديه في الديمقراطية الليبرالية نفسها! فهي غير ديمقراطية وغير ليبرالية وغير متسامحة مع قيم الناس، كما أنها تركز السلطة والثروة في أيدي قلة غير خاضعة للمساءلة وغالبًا ما تؤدي بذلك إلى نوع من الأوليجارشية والديماجوجية والفوضى، بالإضافة إلى تشجيع الاحتكارات كما هو الحال في حيتان التكنولوجيا، وبالتالي تقوض المنافسة والنقاش الديمقراطي بما يؤدي إلى تآكل أسس الديمقراطية. فهل يعد اليمين المتطرف تهديد آني للديمقراطية؟ ولم يرى البعض أن اللاجئين والمهاجرين تهديد للديمقراطية؟ أم أن كل هذا ليس بصحيح لأن الديمقراطية الليبرالية هي من تحمل عوامل تهديدها كما يرى البعض؟

اليمين المتطرف وديمقراطية ألمانيا!

الباحث السوري المقيم بألمانيا والمحاضر بجامعتي لا يبتسيج وكولونيا الدكتور حسام الدين درويش

يرى الباحث السوري بجامعة لايبتسيج والمحاضر بجامعة كولونيا د/ حسام الدين درويش أن أحد أشكال التوتر الكامن داخل الديمقراطية الليبرالية يتمثل في قوة التوجه الشعبوي والذي رغم أنه يعزز فرص المشاركة الشعبية المؤسسة لماهية الديمقراطية، يشكل خطرًا على مبادئ الليبرالية وتوجهاتها بما قد يفضي إلى طغيان من نوع ما طغيان ديمقراطي“. أما أستاذ العلاقات الدولية بجامعة برلين الحرة ميشائيل تسرن فلا يرى خطرًا آنيًا من الأحزاب اليمينية: حاليًا لا أرى أنه هناك خطرًا من الأحزاب الشعبوية أو أن حزب البديل لأجل ألمانيا يمكنه أن يحوز الأغلبية في البرلمان، فالعلاقة بين القوى الاجتماعية المختلفة مستقرة بشكل نسبي إلى حد ما في ألمانياويضيف رئيس مجموعة Contestations of the Liberal Script بأنه يجب الأخذ في الاعتبار أن الأحزاب الشعبوية وإن لم تستطع الحصول على أغلبيات في البرلمانات الأوروبية، إلا أنها تمكنت بشكل أو بآخر من تحويل نظم تصويت الأغلبية البرلمانية والرئاسية لصالحها كما هو الحال في الولايات المتحدة وبشكل جزئي في بريطانيا!

الديمقراطية وحكم النخبة!

لم تفي الديمقراطية الليبرالية بوعودها، وعلى رأس هذه الوعود تَوَافُق حرية السوق مع قواعد الديمقراطيةيقول الطبيب اليساري المصري المقيم في برلين أحمد سعيد في انتقاده للديمقراطية الغربية التي قادت من وجهة نظره إلى حكم أصحاب رأس المال وأصحاب المصالح والنفوذ، وبالتالي انتهينا إلى حكم النخبة أو إلى شكل من أشكال الأوليجارشية! يتفق درويش مع هذه النظرة حيث أن التفاوت الهائل في الملكيات عمومًا وملكية وسائل انتاج الثروة يفضي إلى تفاوت هائل في مستوى الحريات وفي هيمنة كبيرة لأقليات اقتصادية – سياسية، يأتي ذلك على حساب تضاؤل قدرة الأغلبية على التأثير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يقلل من ديمقراطية الأنظمة السياسية لازدياد محدودية أهمية المشاركة الشعبية وتأثيرها في عملية صنع القرار“.

جدوى حرية التعبير!

اليساري المصري د/ أحمد سعيد

بالعودة إلى عملية صنع القرار يبدو أنه بشكل أو بآخر تم تفريغ العملية الديمقراطية من جوهرها، يضرب سعيد مثالًا على ذلك بأنه وعلى الرغم من أن الديمقراطية الليبرالية تعد الناس بالحد الأدنى من تدخل الدولة في حياة البشر، إلا أنه عندما يتعلق الأمر بالممارسة السياسية تختلف الأمور، فنظريًا لديك الحق في التجمع والتظاهر وعمليًا يمكنك بالفعل الخروج والتجمع والمطالبة على سبيل المثال بوقف اتفاقًا أمنيًا بين بلدين أو المطالبة بأن توقف الحكومة الألمانية تدخلها بشكل كولينيالي مستتر في دول العالم الثالث، تخرجين وترفعين اللافتات وتفعلي ما يحلو لكِ لكن السؤال هنا: ما هو تأثير ذلك على السياسة الحركية؟ الإجابة لا شيء“. وحول عدم الرغبة في تغيير هذا الوضع يذهب أحمد في هذه النقطة إلى أنه واقعيًا لا يوجد اختلافات كبيرة بين الأنظمة الشمولية أو السلطوية والديمقراطية الليبرالية فهما وجهان لعملة واحدة، الفارق هو أنه في الشمولية يتم قمع الناس بالقوة وحكم الحزب الواحد وتركيز السلطة في يد واحدة واضحة للعيان، أما في الديمقراطية الليبرالية يتم إيهام الناس بأن لديهم حريات فردية دونما تدخل من الدولةيكمل سعيد بأن ذلك حادث بالفعل إلى أن يصل الأمر إلى القرار السياسي، فيكتفي الناس بالتمتع بالحريات الفردية والممارسات الشخصية بالإضافة إلى أن المواطن هنا لديه ما يكفيه من الاحتياجات الخاصة فدولة الرفاهية لن تتخلى عنه، وهذا ما يقلل الإلحاح أو الدافع للتغيير بعكس ما يحدث في الدول النامية حيث هناك تطال المعاناة كل جوانب الحياة، فلا حريات شخصية ولا استقرار اقتصادي ولا حرية ممارسة سياسية!

هل يمثل البرلمان الألماني الناس؟

عالم السياسة الألماني وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة برلين الحرة بروفيسور/ ىميشائيل تسورن

يزداد النقاش تعقيدًا لدى الحديث عن جدوى الديمقراطية التمثيلية، فيرى ميشائيل تسيرن بأن البرلمان أصبح غير ممثلًا للناس واصفًا إياه بالـ Diploma Parliament أو برلمان حملة الماجيستير، فهو لم يعد ممثلًا لأولئك الذين لم يحصلوا تعليم عالِ. ويذهب تسرن إلى مشكلة أعمق من ذلك، وهي تأثير المؤسسات النخبوية على عملية صنع القرار داخل البرلمان، يقول: “البرلمان وبشكل كلاسيكي يعد مكان حيث يمكن للناس العاديين أن يؤثروا من خلال العمليات التصويتية والاستحقاقات المختلفة، لكن ما يحدث الآن هو تأثير العديد من المؤسسات غير القائمة على أصوات الناس أو ما يطلق عليه Non-majoritarian Institutions مثل المؤسسات التنفيذية والمحكمة العليا والمنظمات الأوروبية والمنظمات الدولية، كل هذه المنظمات التي لا يمكن للناس العاديين التأثير في قراراتها أصبحوا أكثر قوة وأصبحوا جزء من الأزمة التي نعاني منها خلال السنوات الماضية“. بالإضافة إلى ذلك يرى سعيد مشكلة أخرى لم تعالجها الديمقراطية الليبرالية، وهي حق الأقليات واللاجئين بالمشاركة في عملية صنع القرار السياسي من خلال قصر حق التصويت قانونًا على من يحملون الجنسية، يوضح سعيد: “ما يحدد ممارسة الحق السياسي هنا هو الجنسية من عدمها، فماذا عن آلاف المهاجرين واللاجئين المتأثرين بالقرار السياسي والوضع السياسي وهم في نفس الوقت يساهمون بأموالهم في الاقتصاد الألماني، لماذا ليس لديهم الحق في التصويت؟ لماذا يعتبرون مواطنون درجة ثانية؟ وإذا كان هناك من أبناء المهاجرين من يمكنه دخول البرلمان فهو غالبًا من الجيل الثالث الذي لا يعرف الكثير عن معاناة القادمين الجدد“.

هل اللاجئين يمثلون تهديدًا للديمقراطية؟

يتفق كل من درويش وسعيد حول أن الليبرالية المعاصرة أدت إلى تركيز الثروات في يد قلة من أصحاب النفوذ والمصالح، ويضيف سعيد بأن ذلك أدى إلى ندرة موارد غير حقيقية يعاني منها عموم الناس، وبالتالي تزداد التنافسية ومن ثم تخلق صراعًا على الموارد وهنا يأتي دور اليمين المتطرف لاستغلال الموقف واللعب على وتر الندرة، وبأن القادمين الجدد أو المهاجرين أو اللاجئين سوف يستحوذون على ما كان حقًا للمواطن الألماني كالمنافسة في سوق العمل وغيره! أما فيما يتعلق بمسألة تهديد القادمين الجدد للثقافة الأوروبية، يرفض سعيد الأمر برمته بالقول: يوجد هنا مشكلة تكمن في التعامل مع القيم الأوروبية على أنها شيء مطلق وقيم جاهزة لا تتطور خلقت هكذا منذ القدم، وهذا ليس حقيقي“، فالقيم أو الثقافة الأوروبية مرت برحلة كبيرة من التطورات فالثقافة غير ثابتة وغير محددة وتتغير بتغير الزمان والمكان! كما انتقد سعيد بشدة افتراض أن الشخص القادم من مصر أو سوريا أو غيرهما سوف يتفاعل بنفس الطريقة، فالسياق تغير تمامًا وعلاقات القوى تغيرت وحتى موقعه في المجتمع وفهمه للحياة تغير وظروفه تبدلت ووضعه الاقتصادي لم يعد كما هو وما يحدث في الغالب أن الأفراد في السياقات الجديدة يصبحون أكثر انفتاحًا ويأخذون من الثقافة الجديدة ويضيفون إليها مما لديهم“. وهذا ما يستغله اليمين المتطرف محاولًا إخافة المواطن الألماني من التعددية الثقافية! وفيما يتعلق بأولئك الذين ينغلقون على أنفسهم يرى سعيد بأنه في الغالب يكون نوع من أنوع الحماية من القهر الثقافي الذي يمكن أن يشعر به الشخص محاولًا تمسكه بتفرده الثقافي.

المتحدثون لم يتوقفوا عند هذه النقاط كمشكلات تعانيها الديمقراطية الليبرالية، وحول الحلول اتفق الجميع على أن حل المشكلة يبدأ من جذورها، بينما ركز سعيد على حلول راديكالية تشمل الحرية الاقتصادية، ذهب تسرن إلى أهمية التعليم كأداة لابد أن تسبق أي محاولات إصلاح هيكلية بداخل العملية الديمقراطية نفسها..