Epd/Thomas Lohnes
31. أغسطس 2020

نعم ماما ميركل.. لقد أنجزنا ذلك!

منذ خمس سنوات وتحديداً في مثل هذا اليوم 31 آب/ أغسطس 2015، وضعت المستشارة أنجيلا ميركل بلادها أمام تحدٍ قالت عنه في مؤتمر صحفي أنه أول تحدٍ لألمانيا بعد توحيدها، وطلبت من الشعب الألماني أن يكون على قدر المسؤولية بتأدية المهمة التي تتمثل في استقبال مئات آلاف اللاجئين الهاربين من جحيم بلادهم، وأطلقت عبارتها المشهورة، التي باتت شعاراً لمرحلة التحدي تلك: “نستطيع إنجاز ذلك”.

ففي حين كانت دول كثيرة تتنافس بعدم تعاملها الإنساني مع اللاجئين، اختارت ألمانيا وبقيادة ميركل الدخول في امتحان صعب، تثبت الإحصائيات، والدراسات، والواقع أنها نجحت به! إنه امتحان الإنسانية، ففتحت الحدود أمام اللاجئين، واستقبلهم الشعب الألماني في محطة قطارات ميونخ بالورود، وبالأحضان.. وباتت ألمانيا كلها خلية عمل، وهذا ما شاهدته بعيني، منهم من تطوع للتنظيم في مراكز الاستقبال، ومنهم من تبرع بالأغطية، والملابس، والطعام، ومنهم من فتح بيته لاستقبال العائلات.

المهمة التي وضعت ميركل نفسها وشعبها أمامها كانت تقوم على ثلاثة أسس، وفقاً لما قالته المستشارة في لقاء مع مجموعة “فونكه” الإعلامية في 04.10.2015، أولا “جعل إجراءات اللجوء أسرع، وأكثر وضوحاً في بلدنا”، وثانياً “حماية الحدود الخارجية، وضمان التوزيع العادل في أوروبا” وثالثاً وهو ما اعتبرته ميركل مهم جداً لألمانيا “مكافحة أسباب الهروب”!

مهمة كبيرة جداً جداً

سياسة الأبواب المفتوحة التي انتهجتها ميركل وحكومتها في تلك الأيام، جعلتها عرضة للانتقادات، والتي استمرت حتى اليوم، منهم من اعتبرها خطوة غير مدروسة، وغير محمودة العواقب! ومنهم من رأى في هذه السياسة ضوءً أخضر للحركات اليمينية المتطرفة، وللأحزاب اليمينية التي ازدادت شعبيتها، حتى بات حزب البديل من أجل ألمانيا بعد انتخابات 2017 ثالث أكبر الأحزاب من حيث عدد الأعضاء في البوندستاغ الألماني. لكن ميركل لم تتوقف عند هذه الانتقادات وقالت في أكثر من مناسبة ولقاء ومؤتمر صحفي، أن ما تقوم به لا يخرج عن حدود القانون الأساسي الألماني الذي يضمن احترام كرامة الإنسان في الدرجة الأولى، بغض النظر عن دينه، أو لونه، أو قوميته.. وحتى أولائك الذين كان يجب عليهم مغادرة البلاد، لعدم أحقيتهم بالحماية واللجوء طالبت ميركل بمعاملتهم كبشر!

لم تنحصر الانتقادات بالمعارضين لسياسة ميركل فقط، بل جاءت أيضاً من هورست زيهوفر الذي يتقلد الآن منصب وزير داخلية في حكومة المستشارة، لكن حينها كان رئيس وزراء ولاية بافاريا. حيث أشار أكثر من مرة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات قاسية على الحدود، وطالب ببناء الأسوار على غرار هنغاريا، التي تعاملت بقسوة مع اللاجئين! الأمر الذي رفضته ميركل بشدة، وقالت: “لا أعتقد أن الأسوار تساعد ” ووصفتها بأنها خطة فارغة، وأصرت على اعتبار ما يحدث “مهمة وطنية”.

الوزير غضبان وماما ميركل

لم يتوقف زيهوفر، الوزير”غضبان” منذ خمس سنوات عن تصريحاته المنتقدة لسياسة الأبواب المفتوحة، وتحولت هذه الانتقادات إلى قرارات بعد أن دخل الحكومة، وبات وزيراً للداخلية بعد انتخابات عام 2017. حتى وجوده في الحكومة كان مشروطاً بموافقة شريكه في الحكم المتمثل بالحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب المستشارة ميركل على وضع حد لاستقبال اللاجئين، والأعداد المسموح لها بلم شمل عائلاتهم، وكذلك التركيز أكثر على ترحيل اللاجئين المرفوضة طلباتهم، حتى أنه استخرج قرار يتمثل بافتتاح مراكز للمرحلين واحتجازهم فيها ليتم ترحيلهم فيما بعد! وبات زيهوفر يشكل رعباً للاجئين إذا صح التعبير، في حين تحولت المستشارة ميركل إلى “ماما ميركل” الحنونة التي أعطت الأمل لمئات الآلاف وذويهم بالعيش بأمان وكرامة في بلاد ما زالت تمثل الأمل للكثيرين غير الآمنين في بلادهم، وبمخيمات اللجوء سواء في الدول المجاورة لسوريا، أو تلك التي تم افتتاحها في الجزر اليونانية!

الولايات تريد.. وزيهوفر يقرر ما يريد!

لم تتوقف تصريحات وقرارات زيهوفر عن إثارة الجدل، كان آخرها وقوفه في وجه ولايتي “برلين، وتورنغن” اللتان أعلنتا استعدادهما لاستقبال لاجئين من مخيمات الجزر اليونانية المزرية، الأمر الذي دعا الولايتين للتوجه للمحكمة لنقض هذا القرار. لماذا يا حضرة الوزير؟ أود أن أخبرك أن هناك مثل شعبي يقول “لا ترد الكريم عن كرمه” فلماذا تقف في وجه ولاية برلين التي فتحت وتفتح ذراعيها للجميع، وترغب أن تُكمل معروفها باستقبال لاجئين يعانون أسوأ ظروف إنسانية بمخيمات الجزر اليونانية وخاصة مخيم موريا!

في النهاية أود القول أن ميركل التي تحولت إلى رمز للإنسانية، لم تقل تلك العبارة جزافاً، بل عملت على تحقيقها، وتحققت إلّا في بعض الأمور التي تزال عالقة ولا وجود لحلول لها حتى الآن، منها مواضيع لم الشمل، وبصمة دبلن، والترحيل الذي بات شبحاً يتهدد أحلام الكثيرين سواء من العراق أو أفغانستان أو دول شمال أفريقيا، فالإنسانية لا تتجزأ، لكن في ذات الوقت حققت الكثير وسارت بخطوة واثقة (وواثق الخطوة يمشي ملكاً) تجاه تحقيق المنفعة المتبادلة بين ألمانيا حكومة وشعباً وبين اللاجئين الذين بات معظمهم جزءً من المجتمع، وانخرطوا فيه، يدفعون الضرائب ويعملون، ويضعون يدهم بيد أبناء مجتمعهم الجديد في الأزمات، كأزمة كورونا التي تعيشها البلاد حالياً.. وهذا ليس تطبيلاً ولا تزميراً بل قراءة للواقع.

Photo : Epd/Thomas Lohnes