Photo by: Daniel Weigel
11. أغسطس 2020

دلير يوسف: سيرحل الأسد وسنعرض أفلامنا في بلادنا دون خوف

لم تمنعه غربته من مواصله شغفه بصنع الأفلام وكتابة الروايات والقصص، دلير يوسف أحد الرواد السوريين الذين يعيشون في برلين، صدر له مؤخراً مجموعة قصصية بعنوان (صباح الخير يا أحبّة – سيرة ناقصة)، فوجدنها فرصة للحديث معه..

  • درست العلوم البيئية في جامعة دمشق، غير أنّك عملت كمخرج سينمائي وكاتب، لماذا درست هذا الاختصاص طالما لن تعمل به؟ وأين يجد دلير نفسه أكثر، في السينما أم في الكتابة؟

اختياري دراسة هذا الفرع في الجامعة كان عن قناعة وحب، إذ كنتُ متطوعًا منذ مرحلة الدراسة الثانويّة في الجمعية السوريّة للبيئة وكان اهتمامي بالقضايا البيئيّة آنذاك، وما زال كبيرًا. لم استطع استكمال دراسة العلوم البيئيّة، لكن وأثناء دراستي الجامعيّة وقبلها كان اهتمامي بالكتابة وبصناعة الأفلام كبيرًا. نشرتُ أولى نصوصي حين كنت طالبًا في المرحلة الثانويّة وكنتُ دائم الترديد منذ طفولتي بأنّني أريد أن أكون مخرجًا، حتى قبل أن أعرف ما معنى كلمة مخرج، ربما أعجبتني الكلمة حين سمعتها صغيرًا. وهكذا توجهت نحو تعلّم حرفتي الكتابة والإخراج مع بداية مراهقتي. حين خرجت من سوريا وحدث للبلاد ما حدث، وخلال تجربتي تغيرت نظرتي إلى الدراسة وإلى الجامعات، لذلك لم ألتحق بأي جامعة سوى لحضور بعض ورشات العمل وبعض الفصول الدراسيّة هنا وهناك، لكنّني أعتقد أن الدراسة الجامعية تنمّط الأفكار وتمنع من التفكير بحريّة، والكتابة والسينما بالنسبة لي حريّة. طالما كان المرء يمتلك الأدوات التقنية اللازمة وطالما امتلك اللغة والمعرفة فباب الكتابة وباب السينما واسعان وبإمكان المرء أن يجرب. أنا أؤمن بالتجريب. التجربة أستاذي الأهم. أما عن سؤالك حول أين أجد نفسي في الكتابة أم في السينما، فهو سؤال صعب يقودني إلى سؤال فلسفي: من أنا؟ اعتقد أنّ جزءًا من “أناي” أجدها حين أكتب، وجزءًا آخر أجده حين أقف خلف الكاميرا وجزءًا حين أكون في غرفة المونتاج.. الخ. أجد نفسي في كلّ الأشياء التي أحبّها وأنا (أحاول) ألّا أعمل في شيء لا أحبه. هناك بعض الأفكار التي أستطيع التعبير عنها بالكتابة، وهناك أفكار أخرى أستطيع أن أعبر عنها بالكاميرا. هي أشياء أحسّ بها ولا أستطيع شرحها. أشعر بأنّ عليّ أن أكتب هذه الفكرة، أو أن أحوّل تلك الفكرة إلى فيلم. هكذا إذن أجدُ نفسي في السينما وفي الكتابة.

  • صدر لك مؤخرًا كتاب بعنوان (صباح الخير يا أحبّة – سيرة ناقصة)، عادة يختار الكتّاب عنوان تشويقيًا لكتبهم، أما أنت فلا.. ما سر هذا العنوان؟ ولماذا سيرة ناقصة؟

حسنًا، ما هو العنوان المشوّق؟ أيجب أن يكون عنوان الكتاب “جريمة في قطار الشرق السريع” حتى يكون تشويقيًا؟ أنا لا أكتب القصص البوليسيّة حتى أشوّق أحدًا. ذلك عمل دان براون وغيره من الكتّاب الذين يكتبون كتبًا ذات عناوين “تشويقيّة”. وهذا ليس انتقاصًا. أحبّ قراءة القصص التشويقيّة، لكنّني لستُ من أصحاب هذا  النمط في الكتابة.

أحاول فيما أكتبه أن أمسك لحظات معينة بيديّ وأحفظها على الورق. أحاول أن أساهم في حفظ ذاكرتي وذاكرة المكان الذي جئت منه وذكرى الأشخاص الذين كتبتُ عنهم في هذا الكتاب. وهذا يقودني إلى العنوان. في الكتاب نصوص عن أشخاص وأماكن كانت جزءًا من ذاكرتي، أردت في هذه النصوص أن أقول لأولئك الأشخاص: صباح الخير. وأولئك أحباب، منهم أخي الذي رحل صغيرًا عن عالمنا منذ خمسة عشر عامًا، ومنهم جدي، جدتي.. الخ. أردتُ أن أقول صباح الخير لبيتنا في الشام وشارع بيتنا في القامشلي ودكان جدي الذي كبرت فيه ومخيم اللجوء الذي سكنته أول قدومي إلى أوروبا، ولماذا سيرة ناقصة: لأنّه، بطريقة أو بأخرى، كلّ النصوص متعلقة بي وبذاكرتي. اكتشفت هذا حين انتهيت من الكتاب. قلت لنفسي: هذه سيرة، لكنها سيرة ناقصة فهذا جزء وليس كلّ. ولذا أرتأيتُ أن أضع (سيرة ناقصة) عنوانًا فرعيًا للكتاب.

  • بالعودة إلى السينما، لقد قمت بصناعة فيلم (أمراء النحل) لكنه لم يعرض بشكل واسع لأسباب أمنيّة. هل لك أن تُحدّثنا عن الفيلم وهل ما زالت أسباب عدم عرضه قائمة؟

فيلم أمراء النحل هو بالأصل فيلم لباسل شحادة وأنا أكملتُه لاحقًا، صوّر باسل معظم مشاهد الفيلم قبل استشهاده في حمص سنة 2012، وطُلب مني بعد ذلك العمل على الفيلم، فخرج الفيلم إلى النور في العام 2013. يحكي الفيلم عن مشاركة العلويين في الثورة السوريّة من خلال لقاءات مع ناشطين ينتمون بالولادة إلى الطائفة العلويّة، يحكون فيها تجاربهم مع الاعتقال والتظاهر والنضال ضد نظام الأسد. عُرض الفيلم في اسطنبول وباريس ونيويورك ومن ثمّ اضطررنا لتوقيف العروض لأسباب تتعلق بسلامة بعض المشاركين في الفيلم. وما زالت هذه الأسباب موجودة. سلامة شخص واحد أهم من كلّ أفلام العالم. ربما لن يُعرض الفيلم طالما نظام الأسد موجود. لكن الأيام دول والدهرُ قلّاب. سيرحل الأسد يومًا ما، وسننتج ونعرض أفلامنا في بلادنا دون خوف من أحد.

  • هل تعمل على فيلم جديد؟ هل من مشاريع جديدة في الأفق؟

انتهيت مؤخرًا من تصوير فيلم روائي طويل. وحاليًا نحن في مرحلة ما بعد الإنتاج، أي في مرحلة تسجيل الصوت والموسيقى والمونتاج وغيرها من الأمور التقنيّة. من المتوقع أن يُعرض الفيلم في نهاية العام. وهو فيلم مصوّر بالأبيض والأسود وناطق باللغة الألمانيّة ويحكي قصة شاعر يعيش في شبه عزلة ويحاول أن يكتب قصائده التي يهوس بها وكأنّ هذه القصائد هي التي ستغيّر العالم.

  • اخترت برلين كوطن بديل لك، فما رأيك بالحراك الفني والثقافي في هذه المدينة؟ وفي ألمانيا بشكل عام؟ 

مشكلتنا، نحن لاجئو هذه البلاد، ممن يعملون في الفن والثقافة، أنّنا نصنع أفلامًا هنا ونكتب هنا، لكن جمهورنا هناك في بلادنا. جمهورنا هنا نخبوي من أشخاص عرفوا بنا بالصدفة في مهرجان ما أو عن طريق بعض الأصدقاء إضافة إلى بعض اللاجئين من بلادنا. جمهورنا الحقيقي بعيد عنا، لا تماس مباشر لنا مع بيئة بلادنا التي نكتب عنها ونصنع أفلامًا عنها، وهذه أكبر مشكلاتنا. مع الأسف حلّ هذه المشكلة ليس بأيدينا.

أما بشكل عام فبرلين مدينة عظيمة، تمنحك الحرية في فعل ما تريد كيفما تريد. بالطبع في برلين، وهي عاصمة ألمانيا الثقافيّة، وفي باقي المدن الألمانيّة، طبقات مختلفة من الحراك الثقافي الفني، هناك الثقافة التجاريّة وهناك تلك التي تعتمد على المؤسسات وهناك تلك المستقلة وهناك تلك الرأسماليّة… الخ. طبقات مختلفة ومتنوعة ولكلّ جمهوره ومكانه وأجواؤه. أعتقد أنّني بشكل شخصي أنتمي إلى طبقة الثقافة المستقلة، أي تلك التي تصنع أفلامًا أو تكتب وتنشر دون قيود إنتاجيّة ودون إملاءات من شركات كبرى أو من منظمات ولا تتبع هوى السوق التجاري.