6. أغسطس 2020

الشعب.. يريد.. تفشي الوباء!

أعادت لذاكرتي المظاهرات التي شهدتها برلين يوم السبت الماضي ضد قيود كورونا، مشاهد المسيرات العفوية الإلزامية لدعم القيادة الحكيمة في بلادي! فكلاهما خارجة عن المعقول! ما علينا، لو كان فيروس كورونا شخصًا قادرًا على التعبير، لقال وهو غارق بدموع الفرح: “شكرًا جدًا جزيلاً لهؤلاء الذين خرجوا بالآلاف لرفض إجراءات الحد من انتشاري”!

لا أعرف بصراحة لماذا يحتج هؤلاء على قيود الفيروس التي فرضتها الحكومة الألمانية حرصًا على سلامتهم وغيرهم! أعتقد أنهم يشبهون الطفل المشاكس الذي يهدد أمه بالقفز من النافذة إذا ألحت عليه كثيرًا لإنهاء طعامه! غريب أمرهم والله، يعني طوال أسابيع ندخل المتاجر بالدور، ونضع الكمامات في الحافلات والقطارات، نغسل أيدينا أكثر مما نرمش، ونبتعد عن بعضنا البعض لنوقف انتشار الوباء، ثم يأتي هؤلاء بالآلاف ليجوبوا شوارع برلين دون كمامات، ملتصقين متراصين، ويكادوا أن يلعقوا وجوه بعضهم البعض نكاية بقاعدة متر ونصف تباعد! يشتمون من يضع الكمامة، يدبكون فوق رسومات كورونا وأقنعة حماية الفم والأنف، دبكة تشبه إلى حدٍ بعيد دبكة الممانعة والمقاومة الشهيرة بعد كل قصف!

المشكلة أن ضررهم يتخطاهم، بمعنى ربما يكونوا سبب الموجة الثانية للوباء، أو الموجة الثانية بحد ذاتها كما عنونت صحيفة ألمانية! لا ينفع معهم المثل القائل: “دجاجة حفرت، على راسها عفرت”، غبارهم سيطال الجميع، حتى أولئك الذين يضعون الكمامة وهم نيام! ما كل هذا الاستهتار بسلامة الناس! إذا كنتم تعتقدون أن الفيروس مؤامرة قادمة من المريخ، فهذا شأنكم وحدكم! شخصيًا أصدق نصائح وأرقام معهد روبرت كوخ للأوبئة، أكثر مما أصدق كلامكم وامتعاضكم ورقصكم على ايقاع أغنية بيلا تشاو!

يتساءل أحدهم، ألم تمنح السلطات رخصة للمتظاهرين؟ كان بإمكانهم منع المهزلة من البداية! هذا صحيح، لكن الحق بالتظاهر السلمي مكفول بالدستور الألماني، لم يذكر المشرع إلغاء هذا الحق في زمن الأوبئة، ربما تركه لضمير الناس، فلا أحد يلحق الضرر بنفسه متعمدًا ذلك، إلا الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية وربما حياتية معقدة! عطسة واحدة “مشبوهة” في هذا التجمع الحاشد، كانت كفيلة برفع معدلات الإصابة بشكلٍ مرعب على مستوى البلاد، فهؤلاء تداعوا من كل الولايات الألمانية، ليتظاهروا في العاصمة!

إذا أردنا أن نضع شعارًا لهذه المظاهرات الحاشدة التي شهدتها برلين قبل أيام، فلا بد أن يكون: (الشعب.. يريد.. تفشي الوباء)! ثم ماذا هتف هؤلاء في مسيرة احتجاجهم! (بالروح بالدم نفديك يا كوفيد) أم (إلى الأبد إلى الأبد يا فيروس البلد)! لكن للأمانة كان شعارهم (نهاية الوباء- يوم الحرية)، وأعلنوا انتصارهم على الكمامات! نعم الكمامة، هذه الخرقة المسكينة التي نحمي بها أنفاسنا، هي مصدر القلق الأساسي لهؤلاء! يريدون حركة حرة وسهلة لكورونا، يرفضون أي إعاقة لانتشار الفيروس الملهم في الأجواء! لا أخفيكم أن استخدام الكمامة لفترات طويلة مزعج، لكنني أعتقد أنه أقل ازعاجًا من أعراض المرض، أبعده الله عنا وعنكم أجمعين..

لا يصح التصرف على مبدأ (نكاية بالطهارة) في زمن الوباء، فبعد أشهر من الإغلاق وتوقف المطارات وتعطيل المدارس والجامعات، وإلغاء حضور المباريات، وإيقاف عروض المسارح ودور السينما والكرنفالات، ومنع الأعراس والجنازات وحفلات الميلاد و.. إلخ، لا يمكن أن نقبل تصرفات متهورة من البعض وإن كانوا كُثر، ربما تتسبب بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه ربيع هذا العام!

ختامًا، هذه ليست دعوة لمنع التظاهر أو تقييد الحريات، لسنا نعيش في جملوكيات الفجل التي يخرج فيها الناس لشكر الله على نعمة المطر! إنما هي دعوة لتحمل المسؤولية ورفع مستوى الوعي بحساسية الظرف الذي تمر به البشرية..

  • اللوحة للفنان نوح إبراهيم
    Illustration: Noah Ibrahim