Image by Martin Redlin from Pixabay
26. يونيو 2020

ليس بعدَ الليلِ إلّا.. فجرُ مجدٍ يتسامى!

عندما كنت في الأردن، التقيت بزميل دراستي وصديقي علاء، بعد أكثر من عامين من الفراق، وأجريت معه حديثاً إذاعياً لكنني لم أقم بنشره. علاء اعتقله النظام السوري عندما كان يحاول مع مئات من أبناء القرى الشرقية في الجنوب السوري فك الحصار عن درعا البلد في نهاية شهر نيسان من عام 2011. علاء نجا من معتقلات النظام، لكن آثار التعذيب النفسي والجسدي بقيت تذكره بتلك الفترة العصيبة. وما زلت أتذكر حكايته التي تشبه حكاية مئات الآلاف من المعتقلين في السجون السورية، وهناك ما يفوقها سوءاً وبشاعةً. قال لي علاء: أثناء جلسات التعذيب كنت أحاول أن أضرب رأسي في أرضية المعتقل حتى أموت وأتخلص من التعذيب، لكن الجلاد كان يضع قدمه تحت رأسي حتى لا أموت، ويستمتع أكثر بتعذيبي“. وحتى الآن لم أعد استطيع الاستماع لقصة معتقل، أو أشاهد صوراً لهم. وعندما تظهر لي على شاشة الهاتف أول سؤال يخطر في بالي، وهو سؤال يتكرر منذ عشرات السنين لماذا كل ذلك!؟“.

العدالة تجد طريقها لجلادي الأسد في ألمانيا

منذ أسبوع ألقي القبض على طبيب، كان يعمل ضمن جوقة جلادي النظام السوري، نعم صديقي القارئ أنت تقرأ العبارة بشكل صحيح، ولا تحتاج إلى إعادة قراءتها مرة أخرى طبيبوجلاد في نفس الوقت. ففي جمهورية الخوفالتي أسسها حافظ الأسد، توقع كل شيء سيء.

هذا الطبيب لجأ إلى ألمانيا، ظاناً أنه سيهرب من وجه العدالة، وسيهرب من النظرات الأخيرة لضحاياه، لكن أحد أقارب ضحاياه توصل إليه، وكذلك تحقيق استقصائي بعنوان “البحث عن جلادي الأسد” أجرته قناة الجزيرة القطرية بالتعاون مع مجلة شبيغل الألمانية تحدث بجملة من تحدث عنهم عن هذا الطبيب. لتجد العدالة طريقها إليه. بعد أن وجدت طريقها لضابطين من المخابرات السورية الذين عذّبا ضحايا آخرين، في أقبية فرع الخطيب بالعاصمة دمشق أثناء عملهم هناك.

سياف الأحلام!

لكن في ذات الوقت ما يزال العديد من جلادي النظام السوري، يعيشون حياتهم وكأن شيئاً لم يكن، وكأن الــ 55 ألف صورة التي سربها قيصرلنحو 11 ألف إنسان من ضحايا التعذيب في سجون الأسد، عبارة عن صور عابرة لا معنى لها، وعبارة عن رقم كالأرقام التي ألصقها الجلادون على جباه ضحاياهم!11 ألف شخص كانت لهم أحلامهم، وخططهم، وحياتهم، وآمالهم، وأحزانهم، وأفراحهم، التي ذهبت مع الريح، لمجرد أن شخصاً أراد التمسك بالحكم! 11 ألف جسد نحيل، مزرّق، يفتحون عيونهم للسماء علّ عدالتها تنقذهم من ظلم الأرض. 11 ألف شخص تركوا وراءهم أم أو أب أو زوجة أو أولاد أو أخت أو أخ أو حبيبة يمنون النفس بعدالة تقتص من جلاديهم، وتضع حداً لهذه المقتلة..

اليوم العالمي لمساعدة ضحايا التعذيب

يمر اليوم العالمي لمساعدة ضحايا التعذيب، وفي ظلام سجون الشرق الأوسط مئات آلاف المعتقلين، الذين ينتظرون بزوغ فجر الحرية، وخارج أسوار المعتقلات، مئات الآلاف من الآخرين كعلاء، الذين ما زالوا يحملون آثار التعذيب على أجسادهم، ويسعون جاهدين مع منظمات المجتمع الدولي، وأصحاب الضمائر الحية لملاحقة الجلادين ومحاسبتهم على ما اقترفته أيديهم.. 55 ألف شخص وغيرهم الكثير ممن لم تصلهم عدسة قيصر، لم يشاهدوا فجر الحرية، ربما شاهدوا فجراً آخر، لكن ليس بعد الليل إلّا فجرُ مجدٍ يتسامى“..!