Photo: Anas Khabir
15. يونيو 2020

برلين بين ما تخيلناه وما وجدناه!

وأخيراً حصلت على الفيزا لألمانيا، كان ذلك في الشهر الأول من عام 2016 عندما قدمت إحدى أهم المؤسسات الألمانية، منحة لإقامة دراسة بها. سعادة لا توصف فأنا مقبل على العيش في برلين عاصمة ألمانيا، بلد التطور والحضارة، بلد صناعة أفخم أنواع السيارات، بلد العلم والعلماء، قلت في نفسي “لابدّ أن كل شيء يسير بالتكنولوجية الحديثة، وكل ما رأيته في دبي منذ عدة سنوات لا يقارن مع ما سأراه في برلين”.

ومنذ وصولي إلى مطار تيغل، بدأت الصورة تهتز فهل حقاً هذا هو مطار عاصمة أهم دولة في أهم قارة؟ وقبل أن أغادره سألت أحدهم هل هذا المطار الوحيد في العاصمة، قال لا هناك مطار آخر بشرقي برلين يدعى شونيفيلد، وسرعان ما اكتشفت أن تصنيف مطار شونيفيلد أسوأ من مطار تيغل! وما دمنا نتحدث عن المطارات لم يكن يخطر ببالي أن دولة مثل ألمانيا، تحصل بها فضيحة مدوية كفضيحة مطار برلين الجديد، الذي أصبح رمزاً للفساد والإهمال ليس فقط في برلين أو ألمانيا بل حتى على مستوى أوربا، فالمطار المقرر فتحه منذ عام 2012 لم يفتتح حتى الآن، حتى غدا مثار للسخرية بين البرلينيين.

أمور لم أتوقعها في برلين!

شيئاً فشيئاً أصبحت الصورة الجميلة التي في عقلي عن برلين تتغير، فلم أكن أتوقع يوماً أن أرى عاصمة ألمانيا مليئة بالمشردين، الذين يفترشون الأرض ليناموا، لم أتوقع أن أرى الكثير من الناس يتبولون في الشوارع، ومحطات القطار، وأن تنتشر رائحة البول المقرفة فيها، وأنا لا أتكلم عن مناطق في ضواحي برلين، بل على قرب محطة zoo التي تعتبر في وسط المدينة. كما أني لم أتوقع يوماً أن أرى في برلين أبنية من ست أو سبع طوابق لا يوجد بها مصعد!

لم أكن أعلم أنه في ألمانيا ذات السمعة العطرة في المجال الطبي أنك قد تحتاج إلى شهر أو أكثر لتحصل على موعد من طبيب مختص في هذا الإختصاص أو ذاك! لم أتوقع قط أنه في بلد يشتهر شعبه بدقة مواعيده أن تنتظر لمدة ساعة أو ساعتين زيادة، عند طبيب تكون قد حصلت على موعد سابق منه، ولم أكن أتوقع في عاصمة بلد عظيم كألمانيا، أن تكون البنية التحتية هشة، فإذا أمطرت السماء بشكل غزير تجد الشوراع تفيض بالسيول، ومحطات القطارات تغرق بالمياه، وما دمنا نتحدث عن محطات القطار فرغم امتلاك برلين شبكة قطارات كبيرة، إلا أن الأعطال فيها تفوق كل تصور، ناهيك عن أن قطارات الأوبان قديمة، ولا تصلح أن تكون في عاصمة دولة بمكانة ألمانيا!، وماذا أقول عن خدمة الإنترنيت التي هي أقل جودة مما عليه في بعض دول العالم الثالث، وماذا عن ورشات اصلاح الطرقات التي تؤدي إلى ازدحامات دون أن يجري العمل بها لأشهر.

أين القانون يا برلين؟

كل ما ذكر في كفة، وغياب القانون بكفة أخرى، فهل يعقل أن يصبح إيجاد شقة للإيجار يحتاج إلى سمسرة غير شرعية، وهل يعقل أن يكون فتح مشروع استثماري في مكان معين يحتاج إلى دفع أتاوة لبعض المتنفذين في هذا المكان، وهل يعقل أن يباع الحشيش جهاراً رغم أنه مازال ممنوع، كل ذلك هو غيض من فيض لمظاهر غياب القانون في مدينة يفترض أن تكون قدوة في تطبيق القانون.

بالنهاية رغم كل ما ذكر نعشق هذه المدينة بحلوها ومرها بهدوئها وجنونها وطقسها المتقلب، وما قلناه ليس سوى عتب المحبين لا أكثر، فما قدمته إلينا ألمانيا لم نكن نحلم به في بلداننا وهو الكرامة والحرية وأكبر دليل على ذلك أني أنشر هذا المقال في الصحافة الألمانية، وربما لو كتبته بحق أي مدينة عربية لما قبل نشره في بلداننا إن لم يتطور الأمر إلى الفصل من العمل أو السجن..