©Mutaz Enjila
21. مايو 2020

أنا وعائلتي والتعليم المنزلي في زمن كورونا!

دارت خلال الفترة الماضية، الكثير من النقاشات بين العائلات والأوساط التعليمية حول الآثار التي قد تنجم عن فقدان الطلاب للكثير من الدروس بعد قرار إغلاق المدارس بسبب جائحة كورونا. التغيّب عن المدارس وترك مسؤولية التعليم المنزلي على الآباء، أثّر بشكل خاص على الأطفال والمراهقين من العائلات ذات الخلفيات المهاجرة.

أسئلة شبيهة بأسئلة الماضي..

جاء وباء كورونا وحمل معه الكثير من الأسئلة التي طرحها علينا أطفالنا: من أين أتى الفيروس؟ لماذا يتسبب بموت الكثير من الأبرياء؟ كيف نحمي أنفسنا منه؟ كنت أنا وزوجتي على دراية تامة بأننا سوف نُسأل تلك الأسئلة، لأنه سبق وأن طُرحت علينا أسئلة مشابهة من أطفالنا قبل بضع سنوات، خلال الحصار القاهر والطويل لمدينتنا القريبة من العاصمة السورية. في ذلك الحين، ساد الموت في كثير من جنباتها، وماتت الذكريات، وسيطر الرعب والخوف على الناس، ولم يعد هناك صوتاً يعلوا فوق صوت الرصاص وأنين الموت.. كانت وسائل الإعلام العربية والعالمية وقتها، تُحّدث أعداد ضحايا الحرب الرهيبة في سوريا بشكل يومي؛ وسط صمت مريب من العالم.

كورونا.. أعاد الخوف لعائلتنا

أصبح الوضع اليوم شبيهاً بتلك الأيام، بعد أن أعاد التاريخ نفسه بشكل أو بآخر! فمن أجل إحصاء أعداد مصابي ووفيات كورونا؛ تم إنشاء قناة مخصصة لذلك تدعى قناة جائحة كورونا. شاشتها ذات خلفية سوداء، وتبث موسيقى هادئة خلال العرض، يُنشر عليها أرقام يومية محدّثة للمصابين والوفيات إلى جانب علم كل دولة من دول العالم. لا تستطيع أن تتابعها أكثر من بضع دقائق، لأنك ستشعر وكأنها شاشة رعب تهدف لإحصاء الموت. فبينما أنت تراقبها يصدر منها فجأة؛ ذلك الصوت المرعب ليخترق الهدوء، ويلون الأعداد الجديدة في دولة معينة بألوان مميزة للمصابين والمتعافين والوفيات. ذكرتني تلك الشاشة السوداء وصوت رنينها المرعب، بسواد ليالي الحصار. كان وحده القصف والرصاص يخترق هدوء تلك الليالي ليقتل أبرياء مدينتنا الثائرة؛ ليصبحوا في اليوم التالي مجرد أرقامٍ على الشاشات. هنا في ألمانيا يقوم معهد روبرت كوخ بتوثيق وتحديث أعداد المصابين والمتوفين بوباء كورونا. كذلك تشكلت في سوريا مراكز إحصاء لتوثيق اسماء الضحايا ومعلوماتهم ليبقوا في الذاكرة، ولا يكونوا مجرد أرقام.

كورونا لا يقتل الأطفال كغيره

يمكن القول، بأننا كنا سعداء للغاية لأننا استطعنا الهروب من براثن تلك الحرب الشعواء والنجاة بأولادنا. لقد وجدنا في نهاية المطاف بلدًا آمنًا يرحب بنا ويستقبلنا مع أطفالنا بكل الحب والإنسانية. لكن مع كورونا، عاد الخوف إلى قلوبنا مجدداً، ليأخذ كورونا -بلا رادعٍ- دور الديكتاتور القاتل الذي لا يفرق بين كبير وصغير، إلا أنه يمكن القول بأن كورونا أفضل من الديكتاتور بقليل لأنه على الأقل لا يقتل الأطفال.

لا عودة قريبة للمدارس

بعد أن فرض كورونا علينا واقع الحجر المنزلي لأسابيع طويلة، لم يعد لدينا الوقت للتفكير في الأمر كثيراً. كان علينا ابتلاع ذكرياتنا السعيدة منها والحزينة والبحث عن حلول للواقع الجديد، لأنه مع كورونا تغيرت الأمور ودخل شيء جديد إلى حياتنا، ألا وهو التعليم المنزلي. عندما أُغلقت المدارس في منتصف شهر آذار/ مارس الماضي، اعتقدنا أن دورنا كآباء سيقتصر على طمأنة أطفالنا، واعطائهم التعليمات المناسبة ليفهموا مخاطر الإصابة بفيروس كورونا وحمايتهم في المنزل. حاولنا إرشادهم  حول كيفية البقاء آمنين من الإصابة، عن طريق التعقيم المستمر وغسل أيديهم والتباعد، وكل ما يتعلق بالحماية من عدوى الوباء. كنا نظن أن جائحة كورونا ستزول قريباً بعد إيجاد اللقاح المناسب، وأن المدارس ستعود لتفتح أبوابها قريبًا. لكن للأسف كان إعتقادنا خاطئأً، وأدركنا لاحقاً بأن العودة للمدارس لن تكون بهذه السرعة، قبل نجاح عملية الحجر الصحي أو إيجاد اللقاح.

هكذا أخذ الآباء أماكن المدرسين

اعتقدنا أن الأطفال سيستمرون بطريقة أو بأخرى بتلقي الدروس عبر التواصل مع معلميهم من خلال برامج اجتماعات الفيديو التي تعمل عبر الإنترنت. لكن بدلاً من ذلك، كانت هناك محادثة فيديو لمرة واحدة فقط في الأسبوع؛ يجتمع المدرّس فيها مع طلابه ليسألهم عن حالهم وكيف يمضون أيامهم وكأنهم في اجتماع عمل؟ بالمقابل تضاعفت الواجبات المدرسية، وتبين أن تعليم الأولاد سيقع على عاتق الآباء فقط!؟ هنا وجدنا أنفسنا أننا أصبحنا تحت جبل من الأوراق والواجبات والدراسة. كان المدرسون يرسلون تلك الواجبات لأولادنا في بداية الإسبوع دون أن تتضمن أي ملخّصات تعليمية للمواد، وكانوا يطالبون الأولاد بإرجاع الواجبات والحلول لدروس لم يدرسوها أصلاً. لحسن الحظ، زوجتي كانت تعمل كمعلمة لغة إنجليزية في سوريا، لذلك استلمت تدريس مادة اللغة الإنكليزية لثلاثة من أولادنا إلى جانب دعمهم بمادة اللغة الألمانية. وأنا قمت بمساعدتها باللغة الألمانية إلى جانب مادة الرياضيات. بعد تجربة التعليم المنزلي يمكن اقول بأن اسلوب التدريس هنا في ألمانيا مختلف بعض الشيء عما تعلمناه في بلدنا وخصوصاً فيما يتعلق بمادة الرياضيات، لذلك كان علينا نحن في بعض الأحيان دراسة بعض المواد الدراسية ومن ثم ترجمتها، وبعد ذلك شرحها لأولادنا ومساعدتهم بحل الواجبات المتعلقة بها. لم يكن ذلك سهل أبداً، وأخذ منا ساعات طويلة خلال اليوم، مما تسبب بضغوط كبيرة علينا وعلى أولادنا.

الوضع الجديد راق للمعلمين؟

مرَّ اسبوع واسبوعين وبقي الحال على ما هو عليه. لا دراسة عبر الإنترنت، ولا دوام نظامي مع المعلمين. كنا نأمل بأن يغير المدرسون اسلوبهم، ولكن يبدوا بأن الوضع الجديد قد راق لهم! بقاء الوضع على ما هو عليه أجبرنا بأن نضع خطة لتدريس أولادنا بسبب حالة الملل التي أصابتهم لعدم وجود تواصل يومي مع المدرسين. بدأنا بترجمة بعض الدروس الصعبة والبحث عن بعض المواد التعليمية عبر الإنترنت. ثم قسمنا المواضيع وساعات الدراسة لتناسب كل طفل على حدة، ثم بدأنا بتدريسهم. بعض الدروس كانت سهلة علينا، واستطعنا شرحها لأطفالنا دون عقبات. البعض الآخر تعلمناه فعلاً في المدرسة لكننا نسيناها. وبعض المواد كانت فيها معلومات جديدة وكان علينا فهمها أولا وإعادة شرحها للأولاد. وهكذا ويوماً بعد يوم تمكّن أولادنا من أداء واجباتهم التي كلفوا بها من المدرسة بشكل جيد ولكن بعد جهد مضني منّا ومنهم.

شرح الدروس بلغتنا الأم كان ناجحاً

إبنتنا الصغرى في الصف الرابع، وبسبب صعوبة الدروس عليها كانت بحاجة أكبر للدعم. لقد كانت تجد صعوبة في مادة الرياضيات وفي الدروس الجديدة منها، مثل موضوع الأوزان والأبعاد والتحويلات، حتى أنها بكت أكثر من مرة بسبب كثافة الواجبات المدرسية وصعوبة فهما. لاجل تسهيل الأمر عليها بدأت أترجم الدروس وأشرحها لها بتعابير ومصطلحات سهلة بلغتنا العربية وكان ذلك حلاً مناسباً. أصبحت طفلتنا تتحسن وتشعر أنها أفضل في مادة الرياضيات، حتى أنها حصلت على ثناء من معلمتها لأنها كانت تعمل بشكل جيد على حل واجباتها، وكذلك لأنها نجحت في العمل بتطبيق أنطون الذي تقوم من خلاله بتعلم اللغة وارسال الحلول مباشرة لمعلمتها. بصراحة كنا سعداء جدا عندما تلقت تلك الكلمات من المعلمة، وشعرنا بأن تعبنا معها كان مثمراً.

الحجر كان فرصة للأولاد للهو بالجوالات

خلال الحجر واجهتنا مشكلة مع استخدام الهاتف الذكي من قبل أولادنا. ابنتنا الصغيرة كانت تستخدم تطبيق التعليم الخاص بها لفترة طويلة، لأنه يقوم بتدريس الطلاب على شكل مراحل، وكانت كلما نجحت في حل مرحلة تنتقل إلى مرحلة جديدة وهكذا. بحجة التعليم عبر التطبيق صارت تستخدم جهاز الخلوي لفترات طويلة أكثر من اللازم. كما استخدم أخوتها الأكبر سنًا هواتفهم بشكل كبير أيضاً خلال الفترة الأخيرة. سألناهم عدة مرات عن سبب الوقت الطويل الذي يقضونه مع أجهزتهم، فكانت اجاباتهم بإختصار: نحن ندرس!؟ حاولنا وضع قواعد لإستخدام أجهزة الخليوي، ولكن دون جدوى، لأن الأطفال أصبحوا محجوزين في البيت، وجدوا بأن الموبايل هو الطريقة الوحيدة للتواصل مع أصدقائهم، وتعوض الأوقات التي كانوا يقضونها معهم في المدرسة أو الحديقة. نستطيع القول بأن الحجر المنزلي تسبّب بإدمان للاطفال على استخدام هواتفهم، وضاعف من وقت تصفحهم لمواقع التواصل الإجتماعي.

العمل من المكتب المنزلي كان صعباً

استمريت خلال الحجر، بالعمل كصحفي من مكتبي المنزلي. لكن ذلك لم يخلو من بعض الصعوبات بسبب الإلتهاء المستمر الذي سببه لي صخب الأولاد في المنزل. غالبًا ما كنت أرتكب الأخطاء الإملائية خلال كتابة المقالات والأخبار، لذلك كان علي قراءة النص لعدة مرات حتى أتأكد بأنه صحيح. كان تسجيل مقابلات الفيديو عبر الإنترنت أمرًا معقدًا أيضاً. كنت أحاول تسجيل اللقاءات مع ضيوف موقعنا عندما يكون ألأطفال نائمين. التوتر دفعني في بعض الأحيان لأن أخرج وحيدًا خارج المنزل طلباً لبعض الراحة، كانت السيارة هي الملاذ المناسب لذلك في بعض الأحيان. كذلك كنت أذهب للتسوق بمفردي لمحاولة الترويح عن نفسي قليلاً، بعيداً عن الصخب وصراعات الأولاد التي ملأت المنزل. لكن ذلك لم يرق لطفلي الصغيرين الذين كانا يلحقان بي عندما يعرفان بأنني أحاول الهروب منهما والخروج من المنزل، ليقولا لي: “أ بي.. كيف تريد أن تذهب بمفردك وتتركنا هنا في سجن كورونا؟ إما أن نأتي معك أو أن تبقى معنا!” لذلك كانا في الغالب يرافقاني خلال التسوق، وبالتالي لم أحظى بالكثير من الإنفراد بنفسي خلال الحجر.

الحجر زاد الألفة العائلية

على الرغم من كل شيء، كان وقت الحجر مناسباً جداً لنا للجلوس مع أطفالنا لوقت أطول، ومراقبة تحركاتهم ولعبهم ومعرفة هواياتهم. في بعض الأحيان كنت ألعب كرة القدم مع طفلي الأصغر داخل البيت. كان ذلك ممتعاً، لكنه لم يخلو من العواقب كضرب مصابيح الإضاءة بالكرة والتسبب بضجيج وصخب في المنزل، لكن ذلك كان ممتعاً للغاية. اعتدنا أيضاً على ممارسة بعض الرياضة المنزلية وكانت البداية مع طفلتي الصغيرة التي بدأت بالتمرين مع صديقتها عبر الأونلاين.

تخوّف من العودة للمدارس

الآن ستعود المدارس لتفتح أبوابها بشكل تدريجي من جديد. لكن ذلك لم يكن ساراً لكثير من العائلات ولنا أيضاً رغم صعوبة التعليم المنزلي والبقاء في البيت لفترات طويلة. كورنا لم يرحل عن كوكبنا بعد، كذلك لم يتم الوصول لإيجاد لقاح مضاد يمكن أن يحمينا منه. نتسائل كثيراً عن مخاطر عودة الأطفال إلى المدارس في مثل هذه الظروف، وكيف للأطفال أن يحموا أنفسهم من نقل العدوى لهم ولعائلاتهم؟ الكثير من العائلات غير راضين عن عودة جميع الطلاب للمدارس دفعة واحدة على الرغم من وجود رغبة داخلية بإنهاء الوضع الصعب للحجر المنزلي. بالرغم من ذلك يرى الكثيرون أنه يجب أن تعود الحياة اليومية إلى طبيعتها مع تنفيذ التدابير الوقائية بشكل جيد لمحاصرة الوباء وعدم تفشيه من جديد.

هزمنا كورونا.. وتجاوزنا الازمة

قيود منع الاتصال كانت حلوة ومرة في نفس الوقت. رغم كل الصعوبات التي سببتها لنا إلا أنها قرّبتنا من بعضنا البعض كعائلة بشكل أكبر. هنا أشعر ببعض الخجل لأنني تحدثت كثيرًا عن نفسي، لذلك أود أن أغتنم هذه الفرصة لأشكر زوجتي على كل ما فعلته لأجلنا خلال فترة البقاء في المنزل وما قدمته لإسعاد العائلة. كانت تقوم بالطهي وإعداد الحلويات للأطفال بشكل يومي، ولم نحتاج لشراء المأكولات الجاهزة أبداً. أجمل شيء عندما بدأنا بالشواء في المنزل، كان الأمر أشبه بنزهة داخل البيت. حوّلت زوجتي منزلنا -خلال أيام الحجر- إلى مكان جديد كل يوم. كنا نشعر أن البيت أصبح كالمدرسة أحيانا عندما نعلم أولادنا، وأحياناً اخرى كالسينما عندما نجلس معاً لمتابعة الأفلام، ومرات كالحديقة أو المطعم عندما كانت تُعدّ لنا مأكولات جديدة. لقد استطاعت تحدِّ كورنا وتقديم أفضل ما لديها كأٌم دون تذمُّر. حاولنا أنا وهي أن نوفر لأطفالنا وقتا طيباً قدر المستطاع. اشترينا لهم بعض الأشياء من الإنترنت ليشعروا بالتجديد في حياتهم. كان همنا أن لا يذكرهم الحجر المنزلي بالأوقات الصعبة التي قضوهاً في قبو بناء بيتنا في سوريا خوفاً من القصف الشديد والمستمر على مدينتنا خلال الحصار. كان ذلك الوقت مؤلماً جداً لنا، ولم نشأ أن يعود أطفالنا بالذاكرة إليه مجدداً بسبب تشابه بعض ظروف، لقد نجحنا في تجاوز تلك المحنة، ونجحنا بتجاوز هذه الأزمة أيضاً..

Foto: Mutaz Enjila