أكتوبر 8, 2019

كيف أصبحنا أسرى الفيسبوك؟

بعد عدة سنوات التقينا، تبادلنا الأسئلة عن الصحة والأحوال بشكل عام ومن ثم فاجئني بقوله: أنا زعلان منك! – لماذا يا عزيزي ونحن منذ أكثر من ثلاث سنوات لم يشاهد أحدنا الآخر؟ لأنك قليل ما تتفاعل مع منشوراتي على الفيس بوك حيث أنك لم تعلق لي أبداً ونادراً ما تضع لي لايك.. رغم أني أعلق على منشوراتك وأضع بدل اللايك قلب أو وجه ضاحك!؟ تسمرت في مكاني صامتاً لا أعلم ما يجب أن أرد به على صديقي وهل هو يتكلم بشكل جاد أم يمزح؟ وقفت خجلاً من (فعلتي الشنعاء) واعتذرت له مدعياً أني لا أدخل الفيس إلا ما ندر رغم أن ما أقضيه من وقت على الفيسبوك في اليوم، أكثر مما أقضيه بدراسة الألماني في شهر!

هذه القصة جعلتني أفكر ماذا فعل بنا هذا الموقع الأزرق، وهل حقاً أصبحت مشاعرنا من الفرح والغضب والحزن والزعل مرتبطة به؟ فكم تعرف أصدقاء على بعضهم عن طريق الفيسبوك، ومنهم من تحابوا وصلت الأمور إلى الزواج بينهما، وكم تخاصم أصدقاء بسببه أيضاً عندما يقرأ تعليق ما يجرحه بشكل شخصي أو فيه تعدٍ على معتقداته. كم أراحنا من خلال القيام ببعض الوجبات عليه، فإذا توفي قريب أحد أصدقائك غير المقربين جداً فيكفي أن ترسل له رسالة تعزية أو حتى تعليق ضمن منشوره، فتقول الله يرحمه إن كنت مؤمناً، أو لروحه السلام إن كنت ملحداً! كما أصبحت دعوة الأصدقاء على حفلة عيد ميلاد أسهل بكثير، فلم يعد هناك حاجة للاتصال بهم، فيكفي أن تتشأ مناسبة خاصة على الفيسبوك وتدعو من تشاء وتشرح لهم الموعد والمكان وتفاصيل آخرى، ومن الخاص إلى العام حيث بات تنظيم المناسبات على الفيسبوك ضروري جداً لنجاحها، وكم من مناسبات حظيت بإهتمام واسع أكثر من غيرها نتيجة إدارتها بشكل محترف، أكثر من مناسبات أخرى قد تكون أكثر أهمية لكن لم يتم التسويق لها بشكل ناجح عبر الموقع الأزرق. لقد أصبح هناك مدربين مختصين بالفيسبوك، يقيمون ورشات عمل، ويقدمون نصائحهم من أجل أن تصل المنشورات لأكبر عدد ممكن، وهنا ليس المقصود رفع مستوى جودة المنشور من حيث المضمون، بل عن توقيت نشره، وعدد الكلمات والصورة المرفقة.. إلخ.

توقعات فشلت

عام 2014 نشرت جامعة برينستون، دراسة مفادها أن الفيسبوك سوف يخسر في عام 2017، حوالي 80 بالمئة من مشتركيه، وأنه لن يبقى الموقع الأول في العالم، إلا أن توقعات هذه الجامعة العريقة أخفقت تماماً، وبدلاً من أن ينقص عدد مستخدميه ازداد من 1,1 مليار إلى 2,3 مليار أي أكثر من الضعف، بكل تأكيد هناك ملايين الحسابات الوهمية والمزورة ولكن هذا لا يمنع أنه بقي الموقع الأول رغم كل الفضائح التي طالته بما يتعلق بمعرفته لسنوات بتسريب بيانات 50 مليون من مستخدميه إلى إحدى الشركات، وربما يعود سبب تعلق مئات الملايين به، هو تطور خدماته المستمر والتي جميعها مجانية ، فلا يكاد يمر شهر أو شهرين حتى يكون الفيسبوك أضاف ميزة جديدة تجعل الموقع أكثر جاذبية، وتجعل مستخدميه أكثر إدماناً واستعداد لقضاء ساعات بتصفحه والتواصل فيما بينهم عن طريقه، ومعاقبة بعضهم أيضاً عن طريقه إلغاء الصداقة أو حتى حظر بعضهم لبعض، تقول إحدى الصديقات: “من تحذف صداقته على الفيس بوك كأنك حذفته من حياتك بالكامل”.

القادم أعظم

في 2020 سيبدأ فيسبوك بطرح عملته الجديدة تحت مسمى ليبرا Libra، وهي عملة رقمية يمكن لمستخدميها تحويل أموال من شخص إلى آخر بمنتهى السهولة وبأجور تكاد لا تذكر، مما سيكون تهديد حقيقي لشركات تحويل الأموال ذات الأجور المرتفعة، كشركة Western Union، العملة الجديدة ستتجاوز المشاكل التي اعترت العملات الرقمية السابقة كـ Bitcoin، فلا يوجد بالليبرا مضاربة، فهي مرتبطة بأصول ثابتة يمنحها نوعاً من الاستقرار، كما أنها تتجاوز مشكلة استعمالها للصفقات التجارية غير القانونية كتجارة المخدرات والأسلحة فمستعمل الليبرا يجب أن يصرح على اسمه بوضوح وإرسال صورة عن هويته، بينما كان يكتفي بيتكوبن بإعطاء المستخدم رقم أو رمز، الأمر الأهم هو أنه من الصعب أن تجد مصرفاً أو مؤسسة تقبل التعامل بعملة بيتكوين، بينما من المتوقع أن تكون ليبرا، موضع ترحيب من قبل المصارف والشركات التجارية، خاصة أن فيسبوك ليس وحيداً بل هناك شركات عريقة شريكة معه في عملة ليبرا كـفيزا وماستر كارد وأوبر وغيرها، ما يعطي ثقة ومصداقية للتعامل بها.. هذا يقودنا إلى أن شركة فيسبوك تتجه للسيطرة على اقتصاد العالم بشكل فعلي من خلال العملة الجديدة، لهذا لا تستغرب أن لا تعترف الدول بها وتصدر تشريعات تمنع التعامل بها، ليس لشيء سوى أنها لا تريد أن تضع اقتصادها برمته تحت سيطرة فيسبوك.

لم يعد فيسبوك موقعاً للتعارف، أو حتى موقع للتسلية، كما كان في البداية، وها هو يمضي بخطوات واثقة كخطوات مؤسسه مارك زوكربيرغ للتدخل بأدق التفاصيل بحياتك اليومية، وها نحن نصبح أسرى له دون أن يكون هناك حرب..

Photo: pixabay.com