يونيو 20, 2019

هل هي عنصرية؟ السيدة الغاضبة والشاب المُلام!

بعد يوم عمل حافل، أسرعت وألقيت بنفسي داخل قطار S7 اتجاه آرنسفيلدا، جلست بجانب النافذة يواجهني شاب له لون بشرتي ولون شعري، يستمع إلى شيء ما يأتيه من السماعات الموصولة بهاتفه، وبجانبه حقيبة بولي بروبلين منسوجة بها ملابس ومتعلقات، شأنه شأن كثير من شباب برلين الذين يضعون أشيائهم في هذه الأكياس الكبيرة خاصة إذا كانوا بصدد الانتقال من غرفة في أقصى برلين إلى أخرى في أدناها. غرقت في عزلة افتراضية تليق بتداخل أسماء أبطال إحدى روايات جابريل جارسيا ماركيز التي كنت أعيد قراءتها للمرة الثانية، لأنني علمت أنه سيتم تحويلها لعمل تليفزيوني، وفي محاولة لتذكر قرابة أورليانو الثاني من أورليانو بوينديا، لم ألحظ السيدة الجالسة بجانبي، لكنها كانت تقول كلمات متفرقة مثل “هذه ليست حرية” وعندما قامت بالنظر في هاتفي ظننت أنه ربما أنها إحدى هؤلاء “الطيبين” الذين يتحدثون في الشارع بلا مناسبة وعلي ألا أزعجها، ولكنها استوقفت جاري صاحب حقيبة البولي بروبلين، وبدأت تتحدث إليه لألتفت فأرى سيدة سبعينية ترتدي ملابس “شيك” وأمامها حقيبة سفر صغيرة ولديها وجه مضيء يخبر قصة إحدى جميلات الماضي غير البعيد.

اللاجئون لا يحق لهم وضع السماعات

انتبهت فإذا بصاحب الحقيبة يزيح السماعات عن أذنيه ويقول للجميلة العجوز بألمانية “مكسرة” ألمانيتي ليست جيدة هل من الممكن أن نتحدث بالإنجليزية، فقالت له نعم ثم قالت له الآتي: “الآن أنت هنا لاجئ وتأخذ الأموال من الدولة، وتدفع لك الدولة الألمانية تأمينك الصحي، (وافترضت أنه تابع لشركة AOK لا أدري لماذا) والآن تجلس في القطار وتضع سماعات في أذنك معلنًا رفضك التأقلم مع المجتمع الألماني”. في البداية لم نستوعب ما قيل، فلا يوجد جواب يمكن قوله، وفي العادة أنا شخص كثيرًا ما يتعرض للإحراج بسبب تدخلي في المواقف الشبيهة لشعور داخلي أحمله معي منذ أيام المدرسة الابتدائية بأنه يجب علي أن أكون صوت من لا صوت لهم، لكن الاحترام والأصول تقتضي عدم الرد بشكل قاس على سيدة مسنة، كما أن الشاب كان لديه صوت وصوتان وثلاث، رد عليها الشاب بإنجليزية أمريكية وبقوة لم أعهدها في المواقف الشبيهة قائلًا: “أنا لا أحصل على المال من الدولة الألمانية، بل أنا أعطيها المال، أنا دافع ضرائب وأعيش هنا وأعمل منذ 6 سنوات، ثم ما هو نوع التأقلم الذي سأقوم به إذا فقط ما خلعت عني سماعاتي”؟

لماذا لا يجب على الألماني المساعدة؟

التقطت السيدة جملة: “أعيش هنا منذ 6 سنوات” ثم بدأت هجومًا آخر بنفس الصوت الهادئ والوجه غير العدائي لتقول له: “حسن تعيش هنا منذ 6 سنوات ولم تتحدث الألمانية” ثم فجأة حولت دفة الحوار إلى جهة أخرى تمامًا لتقول: “الآن أنا سيدة عجوز دخلت إلى القطار بحقيبتي، ولم يأبه أحد لكبر سني ولم يهرع أحد لمساعدتي في حملها، وأنت تجلس هنا وتضع السماعات في أذنك” هنا بدأ الشاب في الانفعال فأجابها “أنظري حولك ستجدي العديد من الألمان يضعون السماعات، لم علي أنا تحديدًا أن أساعدك؟ ثم إن حقيبتك الثقيلة مشكتلك أنتِ وليست مشكلتي أنا”. كانت محطتي قد اقتربت فأردت أن أدلي بدلوي وإلا سأموت كمدًا جراء عدم ممارسة طبيعتي “الحشرية”، فقلت لها: “سيدتي لا يحق لنا أبدًا أن نضع اللوم على شخص لمجرد أن لون شعره أو بشرته مختلفة، وفي المرة القادمة عندما تحتاجين إلى مساعدة فقط اطلبيها وسوف تحصلين عليها سواء من لاجئ أو ألماني، أنا أفعل ذلك عندما أحتاج إلى مساعدةا”. ثم نهضت أنا للخروج من القطار فإذا بها هي الأخرى تستعد للمغادرة في محطة هوبتبانهوف، وتركتني أحمل عنها حقيبتها إلى خارج القطار، ثم سألتها أين تريدين أن تذهبي يمكنني مساعدتك، قالت أنا في طريقي إلى ميونخ ولكن لا حاجة لكِ بذلك، ثم بدأت تحكي بود غريب: “أنا أعرف برلين جيدًا، هل تعلمين أن زوجي كان يعمل هنا، كنا نأتي سويًا، وأنا الآن سيدة مسنة ولم يساعدني أحد بل إن إحداهن دفعتني أثناء دخولي القطار..” طيبت خاطرها وذهبت.

هل كان أعداء جولدشتاين أناسًا سيئين؟

لم أستطع التوقف عن التفكير، هل هذه السيدة عنصرية؟ هل تكره الأجانب حقًا؟ ربما لا، فماذا ستكون العنصرية إذن؟ ربما هي فقط امرأة مسنة غاضبة من عدم إظهار الاحترام والمساعدة، ولكن لماذا لوم الشاب ذي البشرة الخمرية والشعر الأسود؟ قد يعود ذلك فقط لكونها مستمعة لدعايا اليمين المتطرف التي تعيد كل أسباب مشاكل ألمانيا إلى اللاجئين؟ لما لا يكون الأمر كله صراعًا أفقيًا بين الناس بدلًا من لوم الحكومة على مشكلة ما قد لا نعرفها؟ ربما هي فقط يائسة تبحث عمن تلومه، ربما ليست سيئة على الإطلاق، فمواطني دولة أوشينيا في ديستوبيا جورج أورويل الأسطورية لم يكونوا أناسًا سيئين عندما كانوا يقومون بإلقاء اللوم كاملًا على عدوهم الوهمي إيمانويل جولدشتاين، لقد كانوا فقط أناسًا عاديين تم إقناعهم بأن جولدشتاين هو المسئول عن كل بؤس قد يتعرضون له في الحياة، ربما هذا الشاب هو جولدشتاين العجوز الألمانية؟ ربما مازلت غارقة في رومانسيتي التي أستفيق منها دائمًا على كارثة تكاد تفتك بي؟ لا أدري!

Photo: epd