يونيو 12, 2019

الشيخ اليعقوبي وملامح عمل مؤسسة FIS في هامبورغ

جلست على أريكة من الجلد بغرفة المكتب الملحقة بالمسجد والخالية سوى من أريكتين صغيرتين تتناسبان مع بساطة المكان، رحت أراجع الأسئلة بسرعة فأنا أعلم أنه صائم ولا يجب أبدًا أن أطيل عليه، بينما يأتيني صوت رجل يرتل القرآن من الغرفة المجاورة حيث عادة الأتراك في التلاوة بعد كل صلاة، لم أنتظر طويلًا، دلف من باب الغرفة رجل يبدو في أواخر العقد السادس ومعه أحد تلاميذه، بنظرة خاطفة إلى وجهه ستعلم أنه مهموم بشيء ما، في مقابلة سابقة أمكنني أن أطلق عليه لقب “الشيخ الثائر” المشغول بقضايا العدالة الاجتماعية والحرية والقضاء على الفقر في العالم، ملتزم بالسياقات التاريخية والاجتماعية في تحليله للأمور، لكنه دائم الحديث عن الأطفال والمراهقين المسلمين. الشيخ الليبي المولد والمنشأ أبو أحمد يعقوبي، مدير مؤسسة fachrat islamische studien أو مؤسسة الدراسات الإسلامية في هامبورج.

أسئلة تبحث عن إجابات

عن ماذا يمكن أن يبحث مراهق عانى في صغره عنصرية بعض أفراد المجتمع الألماني؟ كيف يعوض شاب عاش كل حياته يشعر بأنه مواطن درجة ثانية في ألمانيا؟ من أي مصدر سيستمد مراهق أفغاني معلوماته عن الإسلام بعدما قيل له من بعض زملائه بالمدرسة “إسمك مصطفى إذن أنت من القاعدة!” بينما لم يمده أبويه بأية معلومة عن الدين نظرًا لمعاناتهم من طالبان التي هربوا من نيرها إلى ألمانيا منذ سنوات؟ لماذا قد يقوم مجموعة من التلاميذ المسلمين بإيقاف حصة فلسفة ويتظاهرون في وجه معلمهم مرددين “الله أكبر” نظرًا لأن المعلم تحدث في نقد الأديان باليوم السابق؟ لماذا قد تعلن إحدى المدارس حالة الطوارئ نظرًا لارتداء طفل من أصول فلسطينية لقميص رياضي مكتوب عليه “الله أكبر” كان أبواه قد أحضراه كهدية من فلسطين؟

جميعها مواقف طرحت أسئلة على الشيخ الذي جاء إلى ألمانيا عام 1971 ليكمل دراساته الاقتصادية والإسلامية بجامعة هامبورج ثم درس اللاهوت والأديان المقارنة بالإضافة لدراسته الفقه والتفسير، لينتهي به الأمر أمام إشكاليتين هما تطرف بعض الشباب والمراهقين، والثانية هي الصور النمطية المعادية للمسلمين، لذا تأتي أهمية مؤسسة FIS، يقول يعقوبي المؤسسة تقوم على ثلاث محاور رئيسية: العلم والتعليم والحوار.

قصص القرية التركية لا تصلح لشباب يعيشون في ألمانيا

مؤسس الرابطة الإسلامية في هامبورج أبو أحمد يعقوبي بين تلاميذه في المسجد

“لأسباب تتعلق بنقص التغطية المالية للمساجد لا يتم استحضار أئمة متخصصين برواتب، فالحاضر يؤم الناس وقد يقوم بإلقاء كلمة أو درس بعدها، ففي معظم الوقت أرى شيخ جاء من إحدى قرى تركيا خبراته في الحياة لم تتعد حدود القرية ويجلس يقص على المصلين قصصًا لا علاقة لها بواقعهم هنا، فلا يوجد أي مواكبة لاحتياجات الأجيال الجديدة، نحن الآن نتعامل مع الجيل الرابع هنا، وهذا جيل كبر يتحدث ويفكر بالألمانية، كما لم يعد المسلمون هنا يعيشون في دوائر إثنية خاصة، فذابت الفوارق بين الأفغاني والعربي والتركي لصالح تكيف مجتمعي على المستوى الألماني ولصالح اللغة الالمانية، لذا فمعظم من يحضرون للصلا ة في المساجد إما تحت 12 سنة أو فوق 50 سنة، والفئات العمرية ما بين الفريقين إما بعيدين كل البعد عن الدين أو يبحثون عن الدين في غير مكانه على قنوات المتطرفين على يوتيوب”. يقول الشيخ الذي عمل مستشارًا لرئيس وزراء الحكومة الانتقالية في ليبيا عام 2011 في مجالي الثقافة والشئون الاجتماعية.

عندما يصبح الدين وسيلة للدفاع عن النفس

في محاولة منه للإجابة على تساؤل: “أين سيذهب الطفل المسلم الذي كبر مع شعور بالتمييز والاضطهاد وكونه مواطن درجة ثانية”؟ يقول يعقوبي: سيحاول الشباب اكتشاف الدين اكتشافًا جديدًا ليس لأجل التدين ولكن بحثًا عن شعور بالثقة، ليصبح الدين هنا بمثابة هوية وطريقة للبحث عن الذات ليتحول الأمر تدريجيًا إلى شعور بالتكبر، يبدأ الشاب بالقول: “أنا أفضل منهم لأنني مسلم” ثم “يخيط الشاب لنفسه إسلامًا يتناسب مع احتياجه لدفاعه عن نفسه في المجتمع وليس كأداة للتواصل مع رب العالمين” يكمل يعقوبي: “وهنا تكمن بدايات التطرف”. فالشباب المتورطين في حادث شارلي إبدو لم يقتلوا الناس لأنهم يحبوا محمد، هم لا يعرفونه، لكنه بالنسبة لهم رمز، واعتبروا الرسوم المسيئة هجوم على ذاتهم وإهانة لكرامتهم هم، لذا فالدين يمكن أن يأخذ صور انفجارية في الصراع الاجتماعي ويصبح أداة هدم وليس أداة سلم ووئام”. لذا تقوم مؤسسة “فيس” بتقديم 10 حلقات تعليمية في 10 مساجد بشكل أسبوعي. بعد ذلك تواصلت معهم وزارة العمل والعائلة والشئون الاجتماعية لولاية هامبورج Basfi من أجل التعاون من هنا يأتي الدعم المادي الوحيد المقدم لمؤسسة الدراسات الإسلامية وهو دعم يكفي فقط لراتب اثنين من الموظفين ولدفع إيجار مكتب صغير، كما أكد يعقوبي على أن المؤسسة ليس لها أية علاقة بأي منظمة أو مؤسسة أخرى، وأنه يحرص على استقلاليتها تمامًا وألا تتدخل في الشئون السياسية ولا تمثيل طرف أو طائفة من المسلمين، لأنه “متى سيست المنظمة فقدت محتواها التعليمي واستقلاليتها في التفكير الديني الحر والنقدي”.

الحوار لمواجهة التطرف اليميني

“نريد أن نجعل من الحوار بين الأديان أداة للشابات والشباب للتفكير في إشكاليات العالم كالمناخ والعدالة واضطهاد الفقراء والأسلحة والحروب والهجرة وغيرها، لأن الأديان لديها بالتأكيد رأي في هذه الأمور فالأديان كان لها دور في تحريك تاريخ البشر” وهنا تأتي أهمية المحور الثاني للمؤسسة والذي يختص بالحوار، حيث وفقًا ليعقوبي فمعرفة الناس عن الإسلام هنا يأتي معظمها من البروباجاندا ضد الدين عمومًا أو من خلال الأحداث الدولية مثل الحرب على الإرهاب، وبالتالي “تكونت لدى الناس هنا صور نمطية نريد أن نكسرها بعيدًا عن طرق الدعاية، بل من خلال طرق أكثر موضوعية، لذانرى أن الحوار ليس رفاهية ولكن واجب على المسلم، فالجو العام الآن متوتر وهناك أحزاب تعيش فقط من فكرة تشويه المسلمين، ويمكنهم في أي لحظة خلق مشاكل وتوتر، مثلما يحدث في بعض الدول الأوروبية من الذهاب لحرق المصاحف في أماكن تجمع المسلمين” لهذا قام يعقوبي من خلال المؤسسة بالتعاون مع كل من الأكاديمية الكاثوليكية وكنيسة شمال ألمانيا البروتستانتية مع تمثل لليهود والبوذيين وغيرها من أبناء الديانات الأخرى، قاموا بإنشاء منظمة باسم Young vision بعد قيامهم بدعوة 100 شابة وشاب عن طريق المؤسسات الدينية المختلفة ليتناقشوا وذلك بمناسبة G20، فهم وأبنائهم من سيتأثرون بنتائج هذه مثل هذه القمم في المستقبل.

طلبنا عمالًا جاءنا بشر

استحضر يعقوبي مقولة الكاتب الألماني ماكس فريش الشهيرة عندما قال: “أردنا أن يأتي عمال، جاءنا بشر” في إشارة إلى الواقع الذي واجهه الألمان بعد استقدام “العمال الضيوف” حيث اكتشفوا بأنهم بشر يتزوجون وينجبون ويحتاجون للتعليم، وبعد فترة من الوقت تظهر تساؤلات حول الهوية والاحتياجات النفسية والروحية والثقافية، وهو ما تناساه الألمان لعقود لينتبهوا تصدر دروس المساجدا للمشهد، حيث انتاب الألمان القلق حول ما يدرس في المساجد لذا سمحوا بتدريس الدين الإسلامي في المدارس، ولكن لن يجدي استحضار المعلمين من مصر أو المغرب أو لبنان فكان لزامًا استحداث كراسي لتدريس العلوم الإسلامية في الجامعات، وهامبورج لديها نموذج خاص يتضمن دراسة الطفل كل الأديان من قبل معلمين تم تدريبهم في أكاديمية الأديان، لكن تبقى مشكلة أن هؤلاء المعلمين تنقصهم الخبرة بواقع هؤلاء الأطفال وماذا يقال لهم في المساجد ومن أي عائلة ينحدرون، بل وكيف تعلم هؤلاء المدرسين الدين في الجامعات، على يد مستشرقين؟ وكيف يمكن للمعلم أن يكون قريبًا من الحياة اليومية للمسلمين، لذا تواصلت مديرة أكاديمية الأديان مع يعقوبي من أجل المساعدة، لتبدأ مؤسسة الدراسات الإسلامية بإرسال أحد أفرادها كل فصل دراسي ليحضر مع طلبة الأكاديمية، “وأنا أذهب بنفسي محاولًا تقريبهم من الحياة العملية للدين” يقول يعقوبي.

“يجب علينا أن نضع الأطر بحيث أن يصبح الحب للدين جزء من الحل وليس جزء من المشكلة، ويجعله أداة للحوار والتفاهم وليس نوع من التحصن والتمركز والانسحاب، فالدين ليس حصن للانعزال ولكنه وسيط للتواصل والانتفاع بين كل الأطراف، فالكثير من الشباب الذين قاموا بتنفيذ عمليات انتحارية كانوا منحرفين عن الدين، ثم بدأوا التدين والشعور بالذنب واعتقدوا أنه عن طريق تفجير النفس سيدخل الجنة مباشرة، إن التدين المعوج هو ما يؤدي بالإنسان إلى هذه المغامرات البائسة، والتطرف يأتي كذلك من تطرف آخر عندما يعيش الإنسان في مجتمع معزول أو فاشل”. بهذه الكلمات أنهى يعقوبي حواره، ليبدأ صوت تلاوة القرآن من الغرفة المجاورة بالتلاشي..