مايو 22, 2019

حرية العيش بشكل طبيعي!

عندما يسأل المرء الإيرانيين والإيرانيات عن سبب هجرهم لبلادهم، فليس من الغريب أن تكون الإجابة: “لأنني أريد العيش”، فوفقًا لموقع asriran.com، يخطط نحو 1.5 مليون إيراني وإيرانية الآن مغادرة بلادهم (اعتبارًا من 2017)، ليس لمجرد السفر وإنما للهرب من الاضطهاد وحالة انعدام الأمن والأفق السائدة، معظم هؤلاء ليسوا ناشطين سياسيين، ومع ذلك يوماً ما ستصبح إيران بلداً ليس محتملاً بالنسبة لهم. أنا أيضًا من إيران، وتعرضت للاضطهاد لأسباب سياسية، تم توقيفي بسبب تقارير صحفية انتقدت فيها الحكومة، وحُكم علّي بالسجن بعد محاكمة لم تستغرق سوى 10 دقائق، ما دفعني للهرب من البلاد بشكل غير قانوني لأتجنب العقوبة.

قد يعتقد المرء أن الحرية بالنسبة لي كصحفي تتعلق أساسًا بحرية التعبير وحرية الصحافة، ولكن الحال ليس هذا فقط، أو على الأقل لن أستخدم تعبير فقط. الرقابة الحكومية وعدم القدرة على التحدث علانية وبحرية سببان كافيان بالحد الأدنى للصحفيين لمغادرة بلد مثل إيران بأسرع الطرق.. هذا صحيح، ولكن هناك نوعًا آخر من الحرية، وهي حرية أكثر عمومية لا تؤثر فقط على المجتمع السياسي أو الصحفي، بل تؤثر على المجتمع بأسره، ممارسة الحرية في الحياة اليومية إن صح التعبير.

حرية التفاهة!

أريد أن أسميها “حرية التفاهة”، وهذا يعني أن لا يعتبر سلوكي اليومي غير طبيعي من قبل الحكام (دون تحديد الجنس، لأنهم في الواقع ذكور فقط). وبغض النظر عن ما أقوم به، ومن أعرفه ومن أحبه، ليس لدي أي خوف من اجراءات انتقامية.. هل يبدو ذلك غير منطقي؟ أو سطحي؟ ربما هذا كل شيء، وهذا ما يدور حوله الأمر لتجريم الحياة اليومية!

في إيران، اختلفت مع جاري حول امكانية ركن سيارتي أمام منزله، لم أفهم سبب انزعاجه، فهو لم يحجز موقفاً خاصاً قرب منزله، رد الجار على عدم فهمي بتهديدي، وأنه في المرة القادمة التي سأزور فيها صديقي سيتصل بالشرطة. كصحفي ناقد، اضطررت للتعامل مع الأجهزة الأمنية بشكل يومي بطبيعة الحال، ولم يكن لدي رغبة بالمزيد من الصدامات مع الشرطة، لذلك تخليت عن ركن السيارة.

أثناء الاستجواب في سياق مختلف، لم يطُلب مني فقط مقالاتي في المجلة التي كنت رئيس تحريرها، ولكن في كثير من الأحيان طلب مني التحدث عن علاقاتي وأصدقائي وخاصة صديقاتي! كل من يعارض النظام الحاكم في إيران يعرف أنه سيكون هناك مواجهة مع السلطات الأمنية آجلاً أم عاجلاً، وسيكون هناك عواقب وخيمة ربما تغير حياته إلى الأبد، ومع هذه الحالة يقرر المرء إما أن يكون مؤيداً للسياسة أو معارضاً لها وعليه تحمل تبعات ذلك.

لكن في رأيي، يجب أن يكون التأييد أو المعارضة مدرجة ضمن حياتنا اليومية، إن أكبر حرمان يمكن أن يتعرض له الإنسان هو الحرمان من حريته، فقدان الحرية في ممارسة حياته الاعتيادية، هي أداة تفرضها الديكتاتوريات والاستبداد، لإسكات المجتمع أو على الأقل تدفع أفراده لمغادرة البلاد.

هوامش

  • المادة 2، الفقرة 1: لكل شخص الحق بتطوير حريته الشخصية، بما لا ينتهك حقوق الآخرين، ولا ينتهك النظام الدستوري أو القانون الأخلاقي.
  • تحتفل منظمة ميديا ريزيدنت وحملة أظهر (Gesicht Zeigen) وجهك بالذكرى الـ 70 للقانون الأساسي – الدستور الألماني، تحت هاشتاغ #zeigtgesicht، ويمكن للجميع، بل وينبغي عليهم المشاركة في وسائل التواصل الاجتماعية، لنتمكن جميعاً من إسماع صوتنا والتذكير بنص حقوقنا الأساسية في المجتمع، لمزيد من المعلومات زوروا موقع: www.zeigengesicht.de
  • نشر هذا المقال في مجلة Gesicht Zeigen حول الصحفيين الدوليين ووسائل ومؤسسات الإعلام الألمانية، احتفالاً بالقانون الاتحادي الألماني.

Photo: Jann Wilken