مايو 12, 2019

غليون: لم أكن واجهة للأخوان وليس لألمانيا سياسة واضحة

ربما من النادر أن تجد مثقف أو مهتم بالشأن السياسي وخاصة السوري، لم يقرأ كتابً أو أكثر لبرهان غليون، ورغم تقدمه بالعمر إلا أنه مازال نشيطاً في مجال التأليف.. وفي زيارته الأخيرة إلى برلين لتوقيع آخر كتبه (عطب الذات.. وقائع ثورة لم تكتمل) كان لنا في أمل برلين لقاء معه للحديث عن  خفايا المجلس الوطني الذي ساهم بتأسيسه وترأسه، ورأيه في السياسة الألمانية، ونظرته لمستقبل سورية.

ما هو ردكم على الأقاويل التي تدعي أن برهان غليون كان مجرد واجهة للأخوان المسلمين في المجلس الوطني، ولذلك استقال بعد سنة من تأسيسه؟

تعبر مثل هذه الأقاويل، وهذا هو اسمها الصحيح كما ذكرت، عن المستوى المتدني للوعي السياسي والأخلاقي للمجتمع السياسي أو الذي يشتغل بالسياسة في بلداننا، حيث لا يمكن الاعتراف للفرد، مهما كان موقعه وأفكاره، بموقف مستقل وإرادة حرة، ولا يمكن ان يتصوره أقزام نظم الاستبداد والقهر، إلا على انه أداة أو واجهة أو عميلا للخارج. هذه هي ثقافة النظم الاستبدادية التي شكلت الوعي والسلوك السياسيين في بلداننا للأسف الشديد. ومع ذلك ما كنت سأتردد لحظة في أن أجعل من نفسي واجهة لأي قوة لو كنت مؤمنا بأنها تعمل لتحقيق الأفكار التي أؤمن بها والتي تعبر عن أهداف الشعب السوري في إسقاط نظام العبودية والتشبيح وإقامة نظام الحرية والعدالة والمساواة الذي لا أزال أدعو لها منذ نصف قرن عندما كتبت كتابي الأول “بيان من أجل الديمقراطية”، والتي ثار من أجلها ملايين السوريين، وفي مقدمهم نشطاء الثورة الذين دعوني ضد إرادة الأحزاب السياسية لأرأس مجلسهم الوطني. وقد كتبت تقييما واضحا لسياسة الأخوان وأدائهم داخل المجلس الوطني والمعارضة في كتابي الأخير بعنوان “عطب الذات، وقائع ثورة لم تكتمل”، وأنصح بقراءته جميع المهتمين بمعرفة ما جرى في السنوات الأولى من الثورة السورية وماذا كان موقف ودور أحزاب المعارضة وعلاقتي مع كل منها وعن أسباب الكارثة السورية.

كان المجلس الوطني جبهة وطنية ضمت سبعة تشكيلات سياسية بما فيها لجان التنسيق المحلية والمجلس الأعلى لقيادة الثورة ودعم الهيئة العامة للثورة. وهذه القوى هي التي أسست المجلس، والأخوان التحقوا به، بطلب منا حتى نوحد المعارضة ونحول دون تنافس جماعات المعارضة فيما بينها. وكان ثقة الأخوان المسلمون بإمكانية ولادة المجلس الوطني ضعيفة لدرجة إنهم نظموا، في المكان والزمان ذاتهما، في إسطنبول، ولكن في فندق آخر، اجتماعا موازيا لتأسيس مجلس وطني آخر، واسموه الطاولة الثانية، باعتبارنا كنا الطاولة الأولى، بحيث يكونون جاهزين، في حال فشلنا في تأسيس المجلس الوطني، للإعلان عن مجلس آخر هم من دعا إليه. ولكن عندما نجح مشروعنا، أعرضوا عن المشروع البديل وانضموا إليه.  وقد أثار ذلك غضب الأشخاص الذين دعاهم الأخوان لحضور الطاولة الثانية وهاجمو اجتماع المجلس الوطني في الفندق الذي كان معقودا فيه، احتجاجا على ما نظروا إليه كخيانة لهم وتركهم في الفراغ بعد أن تمت دعوتهم للمشاركة في تشكيل مجلس وطني. وما كان من الممكن تهدئة عشرات الغاضبين منهم الذين هاجموا اجتماعنا من دون ضم قسم منهم إلى المجلس. وفيما بعد حاول بعض الأخوان أن ينسبوا المجلس إليهم بسبب ما حققه في أشهره الأولى من نجاح وما حاز عليه من اعتراف شعبي ودولي بالحديث عن أنهم كانوا وراء اختياري لرئاسة المجلس وهذا غير صحيح على الإطلاق.  وليس لاستقالتي من المجلس علاقة بهم بل كانت احتجاجا على عدم تعاون أعضاء المكتب التنفيذي وتكورهم على أنفسهم ورفضهم تحمل مسؤولياتهم، بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية، ولأن المجلس أصبح غير قادر على القيام بواجباته التي تصورتها عندما قبلت رئاستي له.

تقوم حالياً بزيارة إلى ألمانيا ما هو تقيمكم للموقف الألماني اتجاه القضية السورية وماذا ترغبون بأن تفعل ألمانيا؟

عندما كنت في رئاسة المجلس الوطني كان الألمان يتعاملون معنا بشكل جيد. فوزير الخارجية  آنذاك غيدو فيسترفيله لم يكن يتخذ أي موقف يتعلق بالقضية السورية من دون أن يسألني رأيي. وهذا لم يحصل حتى مع الوزراء العرب. ولكن بالحقيقة مشكلة ألمانيا هي، كباقي دول أوربا، تبعيتها في السياسة الدولية للولايات المتحدة الأمريكية. فالأوربيون ربطوا سياستهم في المحنة السورية بسياسة واشنطن التي كانت أسوأ سياسة يمكن أن يتصورها أو ينتظرها سوري من قبل دولة عظمى صاحبة القرار الأول في السياسة الدولية. وأعتقد أن ألمانيا تستطيع أن تفعل في الدعم السياسي للقضية السورية التي أصبحت قضية إبادة جماعية مثلما تفعله الآن على الصعيد الإنساني في استضافتها مئات آلاف السوريين، فهي الدولة الأهم في أوروبا والأكثر قدرة على فهم معاناة السوريين، بعد ما عرفته هي نفسها، من المجازر والدمار في الحرب العالمية الثانية.

كيف يرى برهان غليون مستقبل الثورة هل مازالت أم انتهت وكيف يرى مستقبل النظام القائم برئاسة بشار الأسد؟

ليس هناك مستقبل لبشار الأسد فهو الآن مجرد ظفر في مخلب الدول المحتلة لسوريا. فبعد أن كنا نعيش تحت احتلال داخلي  أصبحنا تحت احتلال متعدد الأطراف. أما عن الثورة فهي تبدو اليوم هامدة على المستويين العسكري والسياسي، بعد ما واجهته من نكسات في السنوات الأخيرة. لكن الثورة كروح تحررية ما زالت حيّة في قلوب السوريين الذين تحرروا بفضلها من العبودية ودين عبادة الشخصية الصنم، وحلت إرادة المقاومة والانتقال إلى نظام ديمقراطي حر محل روح الخضوع والخنوع والاستسلام.  ولن تذهب التضحيات التي قدمها السوريون سدى ولكنها تحولت إلى رصيد لا ينفذ في كفاحهم المستمر والبطولي من أجل الكرامة والحرية وبناء المستقبل. ومنذ الآن أصبح مصير السوريين بين أيديهم ولم يعد من الممكن لأحد أن يملي إرادته عليهم أو يحكمهم بالرغم منهم بالقوة والبطش والاحتيال. كان الطريق ولا يزال طويلا لكن الأهداف النبيلة التي يسعى إليها السوريون لينقذوا إنسانيتهم تستحق التضحية، ولن تهزم ثورتهم أبدا ما داموا مصممين على الانتصار.

يذكر أن الدكتور برهان غليون من مواليد مدينة حمص وسط سوريا عام 1945، درس الفلسفة بجامعة دمشق، وحصل على الدكتوراه في علم الإجتماع من جامعة السوربون الباريسية ودرّس بها.. له عدد كبير من المؤلفات في السياسة وعلم الإجتماع.

Photo: Samer Masouh